وسائل التواصل الاجتماعي وكشف القصور التربوي
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل وتبادل المعرفة، بل أصبحت فضاءً واسعًا للتأثير وصناعة الشهرة وتشكيل الوعي. ومع هذا الانتشار ظهرت ظواهر مقلقة، من الشتائم والسخرية والتشهير، إلى التعري والإيحاءات الفاحشة، بل وسبّ الدين والمقدسات عند بعض المستخدمين.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: لماذا انتشرت هذه الظواهر؟ بل: ما الذي جعل بعض الناس مستعدين لممارستها أمام جمهور واسع؟
وسائل التواصل ليست محضنًا تربويًا
من الخطأ تحميل وسائل التواصل وحدها مسؤولية هذا الانحدار؛ فهي ليست مؤسسة تربوية، وإنما أداة يمكن استخدامها في الخير أو الشر.
فالتربية مسؤولية الأسرة والمدرسة والمسجد والمجتمع والقدوة الصالحة. ولذلك فإن كثيرًا مما نراه في العالم الرقمي قد لا يكون وليد وسائل التواصل نفسها، وإنما هو قصور تربوي وأخلاقي سابق، كشفت عنه هذه المنصات، ومنحته مساحة أوسع للظهور والانتشار.
فالإنسان الذي تربى على الحياء واحترام الآخرين وضبط اللسان لا يفقد هذه القيم لمجرد أنه أصبح خلف شاشة.
الشهرة بأي ثمن
من أخطر ما أفرزته ثقافة المنصات أن الشهرة أصبحت هدفًا عند البعض، ولو جاءت من بوابة الاستفزاز.
فالشتيمة تثير التعليقات، والمشاجرة تجذب المشاهدات، والفضيحة تستثير الفضول، والمحتوى الصادم يجذب الانتباه.
وهكذا تنشأ دائرة خطرة:
استفزاز → تفاعل → شهرة → تكرار → مزيد من الاستفزاز.
ومع الوقت قد يتحول السلوك إلى عادة، لأن صاحبه وجد أن الإساءة تحقق له ما يريد من شهرة واهتمام.
حين يغيب الرقيب
في الحياة الواقعية تضبط سلوك الإنسان رقابة الأسرة والمجتمع، أما خلف الشاشة فقد يشعر بعض الناس بأنهم بعيدون عن المحاسبة.
وهنا تظهر قيمة الرقابة الذاتية.
فالتربية الحقيقية ليست أن تمنع الإنسان من الخطأ عندما تراقبه، وإنما أن تبني داخله ضميرًا يمنعه من الخطأ عندما يكون وحده.
ولهذا يمكن أن تكون وسائل التواصل اختبارًا للتربية أكثر من كونها سببًا وحيدًا في فسادها.
تطبيع القبيح
التكرار يغير إحساس الإنسان بالأشياء. فما كان يستحي من قوله قد يصبح عاديًا، وما كان يستنكره قد يتحول إلى «مزاح»، وما كان يراه فاحشًا قد يصبح مألوفًا.
وهنا تكمن خطورة تطبيع القبيح؛ إذ لا يقتصر الأمر على انتشار ألفاظ أو صور سيئة، بل قد يتغير معها معيار الحياء والاستنكار نفسه.
وقد قال النبي ﷺ:
«ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء».
أما سبّ الدين والمقدسات فهو أمر أشد خطورة، ولا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للترفيه أو الشهرة أو استجلاب المشاهدات.
الجمهور شريك
المسؤولية لا تقع على صانع المحتوى وحده؛ فالجمهور يساهم أحيانًا في صناعة ما ينتشر.
فالمحتوى المسيء الذي يحصل على آلاف المشاهدات والتعليقات والمشاركات يتلقى صاحبه من خلاله رسالة مفادها أن هذا الأسلوب ناجح.
ولهذا فإن مقاومة المحتوى السيئ لا تكون دائمًا بإعادة نشره للرد عليه؛ فقد يكون التجاهل الواعي وعدم المشاركة في انتشاره أكثر فاعلية.
التربية قبل الرقابة
إذا أردنا جيلًا يحسن استخدام وسائل التواصل، فعلينا أن نربيه قبل أن نعطيه الهاتف.
نربيه على الحياء قبل أن نطلب منه العفة أمام الكاميرا، وعلى احترام الآخرين قبل أن نطالبه بأدب الحوار، وعلى ضبط اللسان قبل أن يدخل عالم التعليقات والبث المباشر.
فنحن لا نستطيع أن نراقب أبناءنا طوال الوقت، لكننا نستطيع أن نبني داخلهم رقيبًا لا يغيب.
الخاتمة
وسائل التواصل ليست شرًا محضًا، وليست مؤسسة تربوية. إنها أداة عظيمة يمكن أن تكون منبرًا للعلم والإبداع والدعوة وخدمة المجتمع، كما يمكن أن تتحول إلى ساحة للإسفاف إذا غابت القيم.
ولذلك فإن معالجة الظاهرة لا تكون بلعن المنصات وحدها، وإنما بمراجعة منظومتنا التربوية والأخلاقية.
فإذا أردنا أن يتغير ما نراه على الشاشة، فعلينا أن نبدأ بما يحدث خارج الشاشة: من البيت، والمدرسة، والمسجد، والقدوة.
ويبقى السؤال الأهم:
ماذا فعلنا بأبنائنا قبل أن تسلمهم وسائل التواصل إلى العالم؟
فالمنصة قد تكشف القصور التربوي، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصلحه.


ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق