الخميس، 10 سبتمبر 2026

حين يصبح القبح محتوى!



وسائل التواصل الاجتماعي وكشف القصور التربوي

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل وتبادل المعرفة، بل أصبحت فضاءً واسعًا للتأثير وصناعة الشهرة وتشكيل الوعي. ومع هذا الانتشار ظهرت ظواهر مقلقة، من الشتائم والسخرية والتشهير، إلى التعري والإيحاءات الفاحشة، بل وسبّ الدين والمقدسات عند بعض المستخدمين.

لكن السؤال الأهم ليس فقط: لماذا انتشرت هذه الظواهر؟ بل: ما الذي جعل بعض الناس مستعدين لممارستها أمام جمهور واسع؟

وسائل التواصل ليست محضنًا تربويًا

من الخطأ تحميل وسائل التواصل وحدها مسؤولية هذا الانحدار؛ فهي ليست مؤسسة تربوية، وإنما أداة يمكن استخدامها في الخير أو الشر.

فالتربية مسؤولية الأسرة والمدرسة والمسجد والمجتمع والقدوة الصالحة. ولذلك فإن كثيرًا مما نراه في العالم الرقمي قد لا يكون وليد وسائل التواصل نفسها، وإنما هو قصور تربوي وأخلاقي سابق، كشفت عنه هذه المنصات، ومنحته مساحة أوسع للظهور والانتشار.

فالإنسان الذي تربى على الحياء واحترام الآخرين وضبط اللسان لا يفقد هذه القيم لمجرد أنه أصبح خلف شاشة.

الشهرة بأي ثمن

من أخطر ما أفرزته ثقافة المنصات أن الشهرة أصبحت هدفًا عند البعض، ولو جاءت من بوابة الاستفزاز.

فالشتيمة تثير التعليقات، والمشاجرة تجذب المشاهدات، والفضيحة تستثير الفضول، والمحتوى الصادم يجذب الانتباه.

وهكذا تنشأ دائرة خطرة:

استفزاز → تفاعل → شهرة → تكرار → مزيد من الاستفزاز.

ومع الوقت قد يتحول السلوك إلى عادة، لأن صاحبه وجد أن الإساءة تحقق له ما يريد من شهرة واهتمام.

حين يغيب الرقيب

في الحياة الواقعية تضبط سلوك الإنسان رقابة الأسرة والمجتمع، أما خلف الشاشة فقد يشعر بعض الناس بأنهم بعيدون عن المحاسبة.

وهنا تظهر قيمة الرقابة الذاتية.

فالتربية الحقيقية ليست أن تمنع الإنسان من الخطأ عندما تراقبه، وإنما أن تبني داخله ضميرًا يمنعه من الخطأ عندما يكون وحده.

ولهذا يمكن أن تكون وسائل التواصل اختبارًا للتربية أكثر من كونها سببًا وحيدًا في فسادها.

تطبيع القبيح

التكرار يغير إحساس الإنسان بالأشياء. فما كان يستحي من قوله قد يصبح عاديًا، وما كان يستنكره قد يتحول إلى «مزاح»، وما كان يراه فاحشًا قد يصبح مألوفًا.

وهنا تكمن خطورة تطبيع القبيح؛ إذ لا يقتصر الأمر على انتشار ألفاظ أو صور سيئة، بل قد يتغير معها معيار الحياء والاستنكار نفسه.

وقد قال النبي ﷺ:

«ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء».

أما سبّ الدين والمقدسات فهو أمر أشد خطورة، ولا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للترفيه أو الشهرة أو استجلاب المشاهدات.

الجمهور شريك

المسؤولية لا تقع على صانع المحتوى وحده؛ فالجمهور يساهم أحيانًا في صناعة ما ينتشر.

فالمحتوى المسيء الذي يحصل على آلاف المشاهدات والتعليقات والمشاركات يتلقى صاحبه من خلاله رسالة مفادها أن هذا الأسلوب ناجح.

ولهذا فإن مقاومة المحتوى السيئ لا تكون دائمًا بإعادة نشره للرد عليه؛ فقد يكون التجاهل الواعي وعدم المشاركة في انتشاره أكثر فاعلية.

التربية قبل الرقابة

إذا أردنا جيلًا يحسن استخدام وسائل التواصل، فعلينا أن نربيه قبل أن نعطيه الهاتف.

نربيه على الحياء قبل أن نطلب منه العفة أمام الكاميرا، وعلى احترام الآخرين قبل أن نطالبه بأدب الحوار، وعلى ضبط اللسان قبل أن يدخل عالم التعليقات والبث المباشر.

فنحن لا نستطيع أن نراقب أبناءنا طوال الوقت، لكننا نستطيع أن نبني داخلهم رقيبًا لا يغيب.

الخاتمة

وسائل التواصل ليست شرًا محضًا، وليست مؤسسة تربوية. إنها أداة عظيمة يمكن أن تكون منبرًا للعلم والإبداع والدعوة وخدمة المجتمع، كما يمكن أن تتحول إلى ساحة للإسفاف إذا غابت القيم.

ولذلك فإن معالجة الظاهرة لا تكون بلعن المنصات وحدها، وإنما بمراجعة منظومتنا التربوية والأخلاقية.

فإذا أردنا أن يتغير ما نراه على الشاشة، فعلينا أن نبدأ بما يحدث خارج الشاشة: من البيت، والمدرسة، والمسجد، والقدوة.

ويبقى السؤال الأهم:

ماذا فعلنا بأبنائنا قبل أن تسلمهم وسائل التواصل إلى العالم؟

فالمنصة قد تكشف القصور التربوي، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصلحه.

محمد جمعة ابو الرشيد 

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

الحمار: من رفيق الإنسان عبر التاريخ إلى رفيق النضال الإرتري



قد يبدو الحمار في نظر كثير من الناس حيوانًا متواضعًا لا يستحق أن يُفرد له مقال، غير أن التأمل في تاريخه يكشف لنا صورة مختلفة تمامًا؛ فهذا الحيوان الذي لازم الإنسان آلاف السنين كان واحدًا من أهم وسائل النقل وحمل الأثقال، وأسهم في ازدهار الزراعة والتجارة وانتقال البشر عبر الصحارى والجبال والطرق الوعرة.


وفي إريتريا، اكتسب الحمار مكانة خاصة؛ فقد كان جزءًا من الحياة اليومية للمجتمع، ثم أصبح، إلى جانب الجمل والبغل وغيرهما، عنصرًا مساعدًا في النقل والإمداد خلال سنوات النضال الإرتري. ومن المثير أن هذا الحيوان المتواضع لم يكن غائبًا عن النصوص الشرعية؛ فقد ذكره القرآن الكريم في مواضع متعددة، وتحدثت عنه السنة النبوية في أحكام وآداب مختلفة.


وهكذا تمتد قصة الحمار من التاريخ الطبيعي القديم، إلى القرآن والسنة، ثم إلى ذاكرة المجتمع والنضال الإرتري.


أولًا: الحمار في التاريخ… حيوان غيّر حياة الإنسان


ينحدر الحمار المستأنس من الحمار البري الإفريقي، وتشير أحدث الدراسات الجينية الواسعة إلى أن تدجينه حدث في إفريقيا قبل نحو خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، أي قبل قرابة سبعة آلاف سنة، ثم انتشر من إفريقيا إلى أوروبا وآسيا ومناطق أخرى من العالم.


وقد اعتمدت دراسة علمية منشورة في مجلة Science عام 2022 على تحليل جينومات 207 حمير حديثة و31 حمارًا قديمًا، ووجدت أدلة قوية على تدجين واحد في إفريقيا نحو 5000 قبل الميلاد، أعقبه انتشار واسع للحمير في إفريقيا وأوراسيا. 


وهذه النتيجة مهمة جدًا بالنسبة إلى القرن الإفريقي؛ فقد ناقشت دراسات علمية سابقة وحديثة احتمال ارتباط المراحل المبكرة من تدجين الحمار بمناطق القرن الإفريقي وشمال شرق إفريقيا. وتشير بعض الأبحاث إلى أن سلالات أو مجموعات برية ساهمت في تاريخ الحمار المستأنس ربما كانت موجودة في نطاق يمتد إلى السودان وإريتريا وإثيوبيا.


ولذلك فمن الصحيح أن نقول إن إريتريا تقع ضمن منطقة ذات أهمية في تاريخ الحمار الإفريقي، لكن من غير الدقيق علميًا أن نجزم بأن أول حمار دُجّن في التاريخ كان في إريتريا تحديدًا؛ فالمسألة ما زالت محل دراسة، والأدلة الأثرية المباشرة من إريتريا في تلك الحقبة لا تكفي لإثبات ذلك.


لقد منح الحمار الإنسان قدرة استثنائية على الحركة في البيئات الجافة والجبلية وشبه الصحراوية. فهو يتحمل السير لمسافات طويلة، ويحمل الأثقال، ويستطيع الوصول إلى أماكن لا تصل إليها العربات بسهولة. ولهذا أصبح رفيقًا أساسيًا للإنسان في الزراعة والتجارة ونقل الماء والغذاء والأمتعة.


وتكشف الأدلة الأثرية في مصر القديمة أن الحمير كانت تُستخدم في حمل الأثقال منذ آلاف السنين؛ فقد أظهرت هياكل حمير دُفنت في أبيدوس نحو 3000 قبل الميلاد علامات وإصابات عظمية تتفق مع استخدامها في حمل الأحمال الثقيلة. 


ثانيًا: الحمار في القرآن الكريم


لم يرد ذكر الحمار في القرآن الكريم عبثًا، وإنما جاء في سياقات متعددة تحمل دلالات مختلفة.


قال تعالى:


﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾


[النحل: 8]


وهذه الآية تبين إحدى أهم منافع الحمار: الركوب، وتذكر كذلك الزينة. وهي صورة واضحة من صور تسخير الله تعالى بعض مخلوقاته لخدمة الإنسان.


ويظهر الحمار كذلك في قصة الرجل الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، فقال سبحانه:


﴿وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ﴾


[البقرة: 259]


فكان الحمار جزءًا من مشهد عظيم أراد الله به إظهار قدرته على الإحياء بعد الموت.


ويأتي ذكره في مثل تربوي بليغ، قال تعالى:


﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5]


والقرآن هنا لا يذم الحمار؛ وإنما يضرب به المثل لمن يحمل العلم ولا ينتفع به ولا يعمل بمقتضاه، فالحمار يحمل الكتب لكنه لا يعقل ما فيها.


أما الموضع الذي ارتبط بصفة الحمار وصوته، فهو قول الله تعالى:


﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19]


فالآية تعلم الإنسان الأدب في الكلام، وتدعوه إلى خفض صوته وعدم الصياح والغلظة، وجعلت صوت الحمار مثالًا للصوت المنكر.


ومن المهم هنا ألا نفهم الآية على أنها إهانة للحيوان؛ فالقرآن يستخدم صفات الموجودات وأحوالها في الأمثال والتعليم، دون أن يكون المقصود دائمًا ذم المخلوق نفسه.


ثالثًا: الحمار في السنة النبوية


وجاءت السنة النبوية فذكرت الحمار في عدد من الأحكام والمواقف.


ففي الصحيحين ثبت أن النبي ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية، وهو حكم يتعلق بالحمار الأهلي، ولا ينبغي الخلط بينه وبين الحمار الوحشي الذي جاءت السنة بأحكام مختلفة في شأنه.


ومن الأحاديث المشهورة قول النبي ﷺ:


«إذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنه رأى شيطانًا…» رواه البخاري ومسلم.


وفي الحديث بيان لأمر غيبي أخبر به النبي ﷺ يتعلق بنهيق الحمار.


وفي الوقت نفسه، فإن الإسلام لم يجعل تسخير الحيوان للإنسان مبررًا لتعذيبه أو إهماله، بل قرر قاعدة عظيمة في الرحمة بالحيوان، فقال النبي ﷺ:


«في كل كبد رطبة أجر» متفق عليه.


ومن هنا نجد أن الإسلام يجمع بين الانتفاع بالحيوان والرحمة به؛ فالإنسان ينتفع به في الركوب والحمل، لكنه مأمور بألا يظلمه أو يحمله فوق طاقته.


رابعًا: الحمار في حياة الإنسان الإرتري


إذا انتقلنا من النصوص إلى الواقع الإرتري، وجدنا الحمار حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية منذ أزمان بعيدة.


في القرى والريف، حمل الماء والحطب والحبوب والمحاصيل، وساعد في نقل حاجات الأسرة، ووصل إلى الآبار والمزارع والمسالك التي كانت وسائل النقل الأخرى تعجز عن الوصول إليها.


وتؤكد التقارير المتعلقة بالاقتصاد الريفي الإرتري أن الحمير تدخل في وظائف النقل إلى جانب الثيران والجمال وغيرها من الحيوانات، ولا تزال ذات أهمية خاصة في المجتمعات الزراعية والرعوية.


وهذا الدور لم يكن مجرد خدمة منزلية؛ ففي مجتمع يعتمد بدرجة كبيرة على العمل اليدوي والمسافات الطويلة والبيئات الوعرة، كان امتلاك حمار يعني امتلاك وسيلة للنقل ونقل الماء والغذاء والبضائع.


خامسًا: الحمار والنضال الإرتري


وهنا نصل إلى الجانب الذي ربما يكون أكثر ارتباطًا بذاكرة الإريتريين الحديثة.


فالثورة لا تقوم بالسلاح وحده.


وراء كل مقاتل يحتاج إلى الذخيرة والطعام والماء والدواء والملابس، توجد منظومة كاملة من النقل والإمداد. وكلما كانت الأرض أكثر وعورة، أصبحت وسائل النقل التقليدية أكثر أهمية.


وقد اعتمدت الثورة حرب العصابات الإرترية في مراحل مبكرة من النضال على الحركة سيرًا على الأقدام، مع الاستعانة بوسائل نقل مساعدة، من بينها الحمير والجمال. ويذكر المؤرخ ريتشارد ريد أن وحدات حرب العصابات الإرترية في أواخر الستينيات وبدايات السبعينيات كانت تعمل إلى حد كبير سيرًا على الأقدام، مع استخدام الحمير والجمال كوسائل نقل مهمة.


وتوجد شهادات مباشرة من تاريخ الثورة تصف استخدام الحمير والجمال لحمل المؤن والمتعلقات أثناء تحرك المقاتلين في المناطق الوعرة. ففي إحدى الروايات، جرى الاستيلاء على ثلاثة حمير وجملين من إحدى القرى وربط المؤن والمتعلقات عليها، ثم واصلت المجموعة سيرها، وكذلك كانت تستخدم في إيصال الرسائل السرية من منطقة إلى منطقة .


ولم يكن الدور مقصورًا على نقل احتياجات المقاتلين؛ فقد كان الحمار مهمًا جدًا للسكان المدنيين الذين عاشوا ظروف الحرب والنزوح.


وتصف شهادة ميدانية من إريتريا خلال سنوات الحرب الحمير بأنها كانت لا غنى عنها، ولا سيما بالنسبة إلى النساء، في نقل أكياس الحبوب والاحتياجات الأساسية؛ حتى إن الأسر الأشد فقرًا كانت تُعرَف أحيانًا بأنها تلك التي اضطرت إلى بيع حميرها، فأصبحت تحمل أكياس الذرة على أكتافها أو تستأجر من يحملها عنها. 


كما وثقت تقارير صحفية خلال سنوات الثورة نقل المواد الغذائية في المناطق الخاضعة لسيطرة الثورة بواسطة الحمير والجمال، أحيانًا في الليل وتحت ظروف أمنية صعبة، لإيصال الغذاء إلى المناطق الداخلية. 


ومن هنا يمكن فهم الدور الحقيقي للحمار في النضال الإرتري.


لم يكن مقاتلًا، ولم يحمل بندقية، لكنه حمل ما يحتاجه المقاتل والمدني ليستمر الصمود.


كان يحمل الغذاء، والماء، والأمتعة، وفي بعض الظروف المعدات والمؤن؛ ويساعد على تجاوز المسافات والمسالك التي لم تكن المركبات قادرة على اجتيازها.


ولهذا يمكن أن نطلق عليه ــ مجازًا لا حرفيًا ــ «الجندي المجهول في لوجستيات الثورة».


فالثورات لا تنتصر بالسلاح وحده؛ بل تحتاج إلى شعب يوفر الطعام، ومجتمع يحمي المقاتلين، ونساء يحملن أعباء الحياة، ورعاة وفلاحين يوفرون ما يستطيعون، ووسائل نقل تصل بالمؤن إلى حيث ينبغي أن تصل.


وكان الحمار واحدًا من هذه الوسائل الصامتة.


من التاريخ القديم إلى الثورة


وهنا تلتقي بدايات الحكاية بنهايتها.


قبل نحو سبعة آلاف سنة، كان الحمار المستأنس جزءًا من التحول الذي مكّن الإنسان من نقل الأشياء لمسافات بعيدة في البيئات الجافة وشبه الجافة. ثم ظل آلاف السنين يحمل الماء والغذاء والبضائع، حتى أصبح جزءًا من حياة المجتمعات الإفريقية.


وفي إريتريا، ظل هذا الحيوان حاضرًا في القرية والبادية والمزرعة والطريق، ثم وجد نفسه، دون أن يعرف معنى السياسة أو الثورة، داخل واحدة من أطول حركات التحرر في إفريقيا.


ومن اللافت أن الحمار الذي كان يحمل ماء الأسرة وحبوبها، أصبح في زمن الثورة يحمل أيضًا شيئًا من أعباء النضال.


خاتمة


إن كتابة تاريخ الأمم لا ينبغي أن تقتصر على القادة والمعارك والقرارات السياسية؛ فهناك دائمًا أبطال صامتون لا تظهر أسماؤهم في الكتب، وأشياء صغيرة تشارك في صناعة الأحداث الكبيرة.


والحمار واحد من هذه الشواهد.


فهو حيوان رافق الإنسان آلاف السنين، وأصبح من أهم وسائل النقل في البيئات الصعبة، وتشير الدراسات الحديثة إلى أن قصة تدجينه بدأت في إفريقيا قبل نحو سبعة آلاف سنة، وخاصة في منطقة القرن الأفريقي .


وذكره القرآن الكريم في سياقات متعددة: في الركوب والزينة، وفي قصة الإحياء، وفي المثل، وفي وصف الصوت. وجاءت السنة فبينت بعض الأحكام المتعلقة به، وأرست في الوقت نفسه مبدأ الرحمة بالحيوان.


ثم يأتي التاريخ الإرتري ليضيف فصلًا آخر إلى هذه القصة؛ فقد كان الحمار جزءًا من حياة المجتمع، ثم أسهم في النقل والإمداد خلال سنوات النضال، وحمل إلى جانب الإنسان بعض أثقال الحرب والنزوح والصمود.


ولعل أجمل عبارة تختصر هذه الرحلة الطويلة:


لم يحمل الحمار حلم الاستقلال، ولم يعرف معنى الثورة، لكنه حمل على ظهره شيئًا من أثقال الذين حملوا ذلك الحلم.


ومن هنا فإن قصة الحمار في إريتريا ليست قصة حيوان متواضع فحسب؛ إنها قصة إنسان وأرض، وصبر وحاجة، وحيوان سخّره الله للإنسان، فظل رفيقه في السلم، ورفيقه في الطريق، ورفيقًا صامتًا في زمن النضال.


محمد جمعة أبو الرشيد 

جميع الحقوق محفوظة لمدونة . 2013