ليست لامبيدوزا، ولا قوارب الموت في البحر الأبيض المتوسط، سوى محطة من محطات سبقتها محطات، وقد تتبعها أخرى، ما لم تتغير الأسباب التي تدفع الشباب إلى ركوب المجهول.
على أمواج المتوسط، يوقّع شباب إرتريون تواقيعهم الأخيرة؛ تواقيع لا تحمل ضمانًا للسلامة، ولا تعرف جهةً مسؤولة عنها، ولا تترك وراءها إلا سؤالًا كبيرًا: كيف وصل الإنسان إلى مرحلة يصبح فيها البحر، بكل ما يحمله من موت محتمل، أهون من البقاء؟
شباب يحملون أرواحهم على أكفهم، ويلقون بها في بحر قيل عنه قديمًا: «الداخل فيه مفقود، والخارج منه مولود».
لكن المأساة أن الشاب الإرتري قد يكون قد أصبح مولودًا مفقودًا قبل أن يصل إلى البحر؛ مفقودًا في وطن يضيّق على الحلم، ومفقودًا في طريق طويل يزدحم بالسجون والمهربين وتجار البشر، ومفقودًا أخيرًا في حلم الوصول إلى مكان يأمن فيه على نفسه ومستقبله.
تبدأ الرحلة من الداخل، ثم تنتقل إلى الخارج.
خدمة عسكرية مجهولة المدى، وقلق دائم على المستقبل، وخوف من المجهول، ثم قرار الرحيل.
وبمجرد الخروج، تبدأ رحلة أخرى: الخوف من الوقوع في أيدي عصابات الاتجار بالبشر، ثم الاختطاف، ثم طلب الفدية، ثم الانتقال من محطة إلى أخرى، وكل محطة تحمل ثمنًا جديدًا من الألم والمال والكرامة.
وهكذا يجد الشاب نفسه أمام ثلاثة أوجه للعبودية:
عبودية الواقع الذي فرّ منه، وعبودية الطريق الذي سلكه، ثم عبودية الخوف من العودة إلى الوراء.
وبعد كل ذلك، قد يجد نفسه أمام البحر.
هناك يصبح الموت احتمالًا معلنًا، والحياة مغامرة مجهولة.
وقد يحتضن البحر جسدًا لفظته الأرض، فلا جنازة، ولا قبر، ولا حتى خبر مؤكد يطمئن أمًا ظلت تنتظر.
الأم… سجادة الدعاء
ولعل أكثر من يدفع ثمن هذه الرحلة، قبل أن تبدأ وبعد أن تنتهي، هي الأم.
تعيش الأم منذ بلوغ ابنها سن الشباب بين خوفين: خوف بقائه، وخوف رحيله.
تخشى عليه من مستقبل لا تعرف ملامحه، ثم تخشى عليه من طريق لا تعرف نهايته.
فإذا هرب، جلست على سجادة الدعاء تنتظر خبرًا: هل وصل؟ هل وقع في أيدي المهربين؟ هل اختُطف؟ هل طلبوا فدية؟ هل عبر؟
ثم تبدأ رحلة أخرى لجمع المال وإنقاذه من محطة إلى أخرى.
وعندما يصل الخبر الأخير، يكون واحدًا من اثنين:
إما أن يصل الابن، فتعود الأم إلى التنفس من جديد، وإما أن يصل خبر الفقد، فتبدأ حياة أخرى من الانتظار لا تنتهي.
فالأم لا تفقد ابنها يوم يموت فقط؛ قد تفقده مرات كثيرة قبل ذلك، مع كل خبر مجهول، وكل هاتف لا يجيب، وكل فدية تُطلب، وكل رحلة جديدة.
والأب… مسؤولية أثقل من قدرته
أما الأب، فليس بعيدًا عن هذه المعاناة.
فهو يعيش صراعًا آخر بين مسؤولية الأسرة وضغوط الواقع، سواء بقي في الداخل تحت وطأة الظروف، أو خرج إلى المنافي واللجوء بحثًا عن الأمان.
وهكذا تضيق قدرة الأسرة على حماية أبنائها، وتبدأ المسؤولية الاجتماعية بالتفكك.
فالمشكلة لم تعد مشكلة شاب يركب قاربًا، وإنما أصبحت أزمة أسرة، وأزمة مجتمع، وأزمة مستقبل.
أين ذهب المجتمع؟
كان المجتمع في الماضي يمتلك منظومة من الأعراف والقيم والمواثيق، تبدأ من الأسرة وتمتد إلى الحي والعشيرة والقبيلة، وكان للكبير كلمة، وللوجيه دور، وللعالم مسؤولية، وللمجتمع قدرة على التوجيه والتدخل.
لم تكن تلك المنظومة قائمة على القهر، وإنما على التراضي، وعلى احترام التجربة، وعلى ما تراكم من قيم الدين والعرف والتقاليد.
أما اليوم، فقد أصبح المشهد مختلفًا.
بيت مغلوب على أمره.
وأم لا تملك إلا الدعاء.
وأب يواجه واقعًا يفوق طاقته.
وجيران يشاركون في الألم ولا يملكون الحل.
وشيوخ ووجهاء تقلص دورهم.
ومثقفون يكتفون أحيانًا بالاستنكار، لأنهم لا يجدون ما يقدمونه.
وفي المقابل، تستمر شبكات الاتجار بالبشر في العمل، ويستمر البحر في استقبال ضحايا جدد.
السؤال الذي لا يجوز الهروب منه
لا يكفي أن نقول إن الظروف القاهرة هي التي تدفع الشباب إلى هذه الرحلة.
نعم، الظروف القاسية عامل أساسي، لكن السؤال الأعمق هو:
كيف أصبح الرحيل عبر طريق الموت خيارًا مقبولًا في ذهن شاب يعرف أنه قد يموت قبل أن يصل؟
ومن المستفيد من الأموال الطائلة التي تدفعها الأسر لإنقاذ أبنائها من الاختطاف والفدية؟
وإذا كان المجتمع يدفع هذه الأموال اضطرارًا لإنقاذ أبنائه، فلماذا لا نفكر في كيفية توجيه جزء من هذه الطاقات والموارد، اختيارًا، نحو خلق الحد الأدنى من أسباب الاستقرار والحياة الكريمة؟
ولماذا أصبح الشاب مضطرًا إلى الهروب من خطر ليقع في خطر آخر؟
وهل اعتدنا الإكراه إلى درجة أصبح معها الإنسان مستعدًا للمغامرة بحياته بحثًا عن مساحة من الحرية والأمان؟
هذه ليست أسئلة موجهة إلى طرف واحد، وإنما هي أسئلة أمام الجميع: الأسرة، والمجتمع، والمثقفين، والقيادات الدينية والاجتماعية، والنخب السياسية.
قبل أن يكتب البحر الصفحة الأخيرة
إنقاذ الشباب من قوارب الموت لا يبدأ عند شاطئ المتوسط، بل يبدأ قبل ذلك بكثير.
يبدأ عندما يشعر الشاب أن له مستقبلًا يمكن أن يعيشه، وكرامة يمكن أن يحافظ عليها، وبيئة يمكن أن يبني فيها أسرته، وأملًا يستحق أن ينتظر من أجله.
أما إذا ظل البحر هو آخر أبواب الأمل، فستظل القوارب تبحر، وستظل الأسر تنتظر، وستظل الأمهات على سجادات الدعاء.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
لماذا يركب الشباب قوارب الموت؟
بل السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا جميعًا:
ما الذي جعل الموت في البحر يبدو لبعضهم أقل خوفًا من الحياة على اليابسة؟
قبل أن يكتب البحر الصفحة الأخيرة من قصة جيل كامل، علينا أن نعيد للإنسان حقه في أن يحلم بالحياة
محمد جمعة ابو الرشيد



