الأحد، 8 مارس 2026

مداد الوفاء لاهل العطاء ( 7)


 مداد الوفاء لاهل العطاء ( 7)

عبد الوهاب جمع حاج 


النشأة والميلاد في إرتريا

• مكان وتاريخ الميلاد: ولد الأستاذ عبد الوهاب جمع في مدينة كرن بدولة إرتريا في عام 1970م.

المراحل التعليمية

• المرحلة المتوسطة: أتم دراسته للمرحلة المتوسطة في مدينة الخرطوم بجمهورية السودان.

• التعليم العالي والتخصص: درس الإعلام في معهد رسمي في أستراليا، حيث تخصص في مجالات دقيقة شملت: الإخراج، التصميم، التصوير، والإذاعة.

• التطوير المهني: حصل على عدة دورات تدريبية متقدمة في المجال الإعلامي لتعزيز خبراته المهنية.

الهجرة وتأسيس موقع "عونا"

• الهجرة إلى أستراليا: لم تذكر المصادر المتاحة تاريخاً محدداً لبداية هجرته، إلا أن مسيرته التعليمية والعملية ارتبطت بشكل وثيق بأستراليا، حيث درس وتخصص هناك.

• تأسيس موقع عونا: يُعد الأستاذ عبد الوهاب جمع المدير المسؤول عن موقع "عونا" (Awana)، وهو منصة إخبارية إرترية تهتم بالشأن الإرتري والقضايا المتعلقة بالهوية والثقافة والسياسة في المنطقة، وقد أجرى من خلاله العديد من الحوارات واللقاءات التي تخدم المجتمع الإرتري في المهجر والداخل.

يُعرف الأستاذ عبد الوهاب بنشاطه الإعلامي البارز في أستراليا، ومساهماته في توثيق ونشر الأخبار التي تهم الشأن الإرتري عبر منصة "عونا التى أسسها عام ١٩٩٧م. 


عبد الوهاب جمع: ربّان سفينة "عونا" وصوت التميز الإعلامي

في عالم الصحافة الرقمية المتسارع، يبرز اسم الأستاذ عبد الوهاب جمع كواحد من الكفاءات التي استطاعت أن تدمج بين الخبرة المهنية العميقة وبين الرؤية العصرية للإعلام الجديد. بصفته مديراً لموقع "عونا"، استطاع جمع أن يصيغ هوية صحفية ترتكز على المصداقية، القرب من قضايا الناس، والاحترافية العالية.

مسيرة مهنية حافلة بالبذل

لم يكن وصول عبد الوهاب جمع إلى قيادة منصة إعلامية بحجم "عونا" وليد الصدفة، بل هو نتاج سنوات من العمل الدؤوب في الحقل الإعلامي. عُرف عنه الانضباط المهني والقدرة على إدارة الفرق الصحفية بروح الفريق الواحد، مؤمناً بأن الإعلام ليس مجرد نقل للخبر، بل هو رسالة تهدف إلى التنوير وخدمة المجتمع.

قيادة موقع "عونا": نقلة نوعية

منذ توليه إدارة موقع "عونا"، شهدت المنصة تطوراً ملحوظاً في المحتوى والانتشار. وتحت إشرافه، ركز الموقع على عدة محاور أساسية:

• العمق في الطرح: تجاوز القشور والبحث في تفاصيل القضايا التي تهم الشارع.

• المصداقية: تحري الدقة في نقل المعلومات، مما جعل "عونا" مصدراً موثوقاً للخبر.

• التطوير التقني: مواكبة أحدث تقنيات النشر الإلكتروني لضمان تجربة مستخدم سلسة وجذابة.


السمات القيادية والشخصية

يتمتع عبد الوهاب جمع بكاريزما قيادية هادئة، فهو يجمع بين الحزم في معايير الجودة وبين المرونة في التعامل مع طاقم العمل. يُشهد له بالقدرة على استشراف المستقبل الإعلامي، وتطويع الأدوات الرقمية لخدمة القضايا الإنسانية والاجتماعية التي يتبناها موقع "عونا".

الخاتمة

يبقى الأستاذ عبد الوهاب جمع نموذجاً للإعلامي الذي يحمل همّ المهنة على عاتقه، ومن خلال موقعه في "عونا"، يستمر في تقديم محتوى يحترم عقل القارئ ويساهم في بناء وعي جمعي متطور. إن بصمته في إدارة هذا الصرح الإعلامي تؤكد أن النجاح الرقمي يتطلب قلماً شريفاً وفكراً إدارياً مستنيراً.

جهود وثمرات الموقع : 


تناول موقع عونا الإخباري (Awana) على مدار سنوات نشاطه العديد من القضايا المحورية التي تمس الشأن الإرتري بشكل مباشر، مع التركيز على الجوانب الإنسانية والسياسية والتوثيقية.

بناءً على التوجه العام للموقع وما تم استخلاصه من المواد الأرشيفية المرتبطة بنشاطه، إليك أبرز القضايا التي ركز عليها الموقع:

1. قضية المعتقلين والمغيبين قسرياً

تعتبر قضية المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي من أكثر القضايا التي أولاها موقع عونا اهتماماً كبيراً، حيث عمل على:

• توثيق قوائم المختفين: نشر وتحديث قوائم تضم مئات الأسماء لمواطنين إرتريين اختفوا منذ مطلع التسعينيات، مثل المعلم والقاضي محمد مرانت الذي اعتقل في مدينة كرن عام 1991.  

• تسليط الضوء على القيادات العسكرية والسياسية: تناول الموقع قضايا شخصيات بارزة في النضال الإرتري تم اعتقالها، مثل الجنرال يتودد أبرها الذي اعتقل في عام 1991.  

• رصد الانتهاكات في الأقاليم: توثيق حملات الاعتقال التي طالت أعيان المجتمع والمدرسين في مناطق مختلفة مثل إقليم القاش بركة ومدينة أغوردات وعصب.  

2. الدفاع عن الهوية والثقافة الإرترية

عمل الموقع كمنصة لتعزيز الوعي بالهوية الوطنية الإرترية، من خلال:

• إجراء حوارات مع المثقفين والناشطين الإرتريين في المهجر لمناقشة التحديات التي تواجه الثقافة واللغة العربية في إرتريا.

• تغطية الفعاليات الثقافية والوطنية التي تقيمها الجاليات الإرترية في أستراليا وأوروبا وأمريكا.

3. قضايا التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان

ركز الموقع في تحليلاته على نقد السياسات التي أدت إلى غياب الدستور وسيادة القانون، وتناول:

• المطالبة بالإصلاح: نشر مقالات وتقارير تدعو إلى إرساء نظام ديمقراطي وإطلاق سراح سجناء الرأي.

• قضايا القوميات: الاهتمام بقضايا القوميات الإرترية المختلفة، مثل قضية قومية العفر في منطقة الدنكالية وما تعرضت له من تهميش واعتقالات طالت قياداتها المحلية.  

4. تغطية شؤون اللاجئين والمهاجرين

بما أن الأستاذ عبد الوهاب جمع يقيم في أستراليا، فقد اهتم الموقع بشكل خاص بـ:

• أوضاع اللاجئين الإرتريين في معسكرات اللجوء (خاصة في السودان وإثيوبيا) ورحلات الهجرة المحفوفة بالمخاطر.

• نجاحات وتحديات الجالية الإرترية في أستراليا وسبل اندماجها مع الحفاظ على صلتها بقضايا الوطن.

5. العمل الإعلامي والتوثيق التاريخي

سعى الموقع لأن يكون أرشيفاً حياً لنضالات الشعب الإرتري، من خلال:

• توثيق شهادات المناضلين القدامى من جبهة التحرير الإرترية والجبهة الشعبية.

• تقديم قراءات في التاريخ الإرتري المعاصر لتصحيح المفاهيم وربط الأجيال الشابة بتاريخها.  

ابرز التحديات التى واجهت عبد الوهاب جمع ؟ 


واجه الأستاذ عبد الوهاب جمعة خلال مسيرته الطويلة في إدارة موقع "عونا" (Awana) مجموعة من التحديات المعقدة، والتي لخصت صراع الإعلامي المستقل في بيئة سياسية وتقنية صعبة.

إليك أبرز هذه التحديات التي واجهته كمدير لواحد من أقدم المواقع الإرترية المعارضة:

1. الاستهداف الرقمي والهجمات السيبرانية

بسبب الخط التحريري الجريء للموقع في كشف ملفات المعتقلين والانتهاكات، تعرض موقع "عونا" لهجمات إلكترونية متكررة (Hacking) من جهات تابعة للنظام أو مؤيديه. كان التحدي يكمن في:

• استمرارية البث: قضاء ساعات طويلة في استعادة الموقع وحماية بياناته من التدمير.

• التكلفة التقنية: الحاجة الدائمة لتطوير أنظمة الحماية وسد الثغرات الأمنية، وهو أمر مكلف مادياً وتقنياً.

2. شح المعلومات والحصار الإعلامي

إرتريا تُعد من أكثر الدول انغلاقاً إعلامياً في العالم، مما جعل مهمة عبد الوهاب في الحصول على أخبار موثوقة من الداخل تحدياً يومياً:

• المصادر السرية: المخاطرة بحياة المصادر التي تزود الموقع بالأخبار من داخل المدن الإرترية مثل أسمرا وكرن وأغوردات.

• التدقيق: بذل مجهود مضاعف للتحقق من الأخبار في ظل غياب وكالات أنباء مستقلة، لتجنب الوقوع في فخ الإشاعات التي قد تضرب مصداقية الموقع.

3. التمويل والاعتماد على الذات

موقع "عونا" هو مشروع وطني تطوعي بامتياز، ولم يعتمد على تمويل من دول أو منظمات كبرى، مما فرض تحديات مثل:

• التمويل الذاتي: تحمل تكاليف الاستضافة (Hosting) والبرمجة من جيبه الخاص أو عبر مساهمات رمزية من الغيورين.

• الاستدامة: صعوبة التفرغ الكامل للعمل الصحفي مع ضرورة كسب العيش في بلد المهجر (أستراليا)، مما يتطلب إدارة وقت مجهدة بين العمل الخاص وإدارة الموقع.

4. ضغوطات العمل في المنفى (المهجر)

رغم وجوده في أستراليا، إلا أن العمل الإعلامي المعارض لا يخلو من ضغوط:

• المضايقات الاجتماعية: التعرض لحملات تشويه أو ضغوط اجتماعية من قبل الموالين للنظام في أستراليا.

• البعد المكاني: محاولة البقاء متصلاً بالواقع الإرتري اليومي وتفاصيله الدقيقة رغم آلاف الكيلومترات التي تفصله عن الوطن.

5. أزمة التوثيق الإنساني

كان من أصعب التحديات النفسية والمهنية لعبد الوهاب جمعة هو التعامل مع ملف المعتقلين:

• غياب الإجابات: مواجهة تساؤلات أهالي المعتقلين الذين يتواصلون مع الموقع بحثاً عن معلومة عن ذويهم، في ظل صمت مطبق من السلطات، مما يضع عبئاً أخلاقياً ثقيلاً على كاهل الإعلامي.


محمد جمعة ابو الرشيد

الثلاثاء، 3 مارس 2026

من يحمل المشروع الوطني الشامل بصدق ؟

 لست ادري  لماذا تستفزنا المشاكل  اليومية لدرجة اننا نجعل الوطن مشكلة في عقولنا ! اخي القائد : لا يمكن ان تسمى صاحب  ( مشروع وطنى )  يسعى لتحقيق الرفاهية والكرامة لشعبه  وانت تقوم بتكوين كيان فقط هدفك منه تحقيق الزعامة الذاتية ، والخدمات المناطقية ، والدفاع عن الهوية الذاتية .


الوطن اخوتي القادة الكرام ... ليس عتبة بابك ، ولا محراب سجودك ، ولا صليب في صدرك ولا شارع في قريتك ...      


الوطن هو  الامان للجميع 

الوطن هو الحرية للجميع ، الوطن هو الكرامة للجميع ، الوطن هو السعادة للجميع ، الوطن هو الكفاية للجميع ، الوطن هو ام للجميع .

اخي القائد : لا تجعل عقلك كعقل الصبيان الذين يظنون ان أباهم هو زعيم الانسانية ، وان امهم حواء البشرية ، وان منطقتهم  الكرة الارضيّة .


بصراحة يزعجني جدا عندما اتابع أفكار بعض الساسة الذين يسعون  لإدارة ضفة السياسة في وطننا وعقولهم ، وصدورهم لا تتسع لادارة صراعات طبيعية داخل كياناتهم الذاتية ! 


اعتقد ليست المشكلة في همتهم ، ونشاطهم ، ولكن المشكلة في افكارهم وتصوراتهم .


انا لم اكتب هذا من اجل اللوم والعتاب ... فانا لست اهلا لذلك ... ولكن اكتبت هذا من باب التناصح ... وحتى لا تستمر محاولة  التلاعب بعقول شعبنا ... والسعي لتضليله بشعارات جوفاء لن تحقق لهم اي مستقبل يذكر ماعدا الضياع ، والتمزيق ، وإذكاء النعرات الحارقة  ، والمشكلة عندما نصور له اننا خرجنا لتخليصه من الظلم والجور ،ولإخراجه من الفقر والمسغبة ... وفي نفس الوقت نريد ان نعاقب الفلاح الغلبان  ، وان نحرم الطالب الجعان لان الزعيم الفلاني المجرم ينتمي الى طائفته ! او ان الزعيم الفاسد مولود في منطقته  ! او ان التنظيم الفلاني قائده من  عشيرته ! ونتعامى ونتباطئ عن مقاومة  ، وإسقاط هولاء المستبدين الذين  صعدوا على أكتافنا بالرغم من انوفنا . 


الشعب الارتري يا قادتنا وسادتنا كل ما يحتاجه ( اشخاص مخلصين لوطنهم ) وتنظيمات تحمل مشروعا للوطن بكامله ... ولن يمنعكم الشعب من معاقبة ، ومحاكمة كل من أجرم بحقه ... لكنه لن  يحارب حاكما مستبدا لستبدله بحاكم  عنصري ، او قبلي ، او مناطقي ، او منفعى ، او محابي .... الخ .


نحتاج اخلاص النيات ، ونحتاج شخصيات مضحية ومتفانية ... تحمل هم هذا الشعب من دهلك الى تمرات ، ومن نقفه الى راس دميرا ... وطن لا تفرقة فيه لا بدين ، ولا عرق ، ولا منطقة .

يوم تحملون مشروعا وطنيا يعبر عن طموحات الجميع ، ويحقق امال الجميع ... سوف يهتف لكم شعبكم ويحملكم على أكتافه حبا وإعجابا . 


اثق في ذكاء ، ودهاء ، وحكمة القادة الارتريين  ولكن كل ما اطلبه منهم ان يحملوا هم الوطن والمواطن بشموله ، وعمومه .

محمد جمعة ابو الرشيد 


السبت، 28 فبراير 2026

مداد الوفاء لاهل العطاء ( 5)

 مداد الوفاء ( 5)


الاستاذ المناضل ( صالح حيوتي ) 


بكل سرور. إليك مقال متكامل ومصاغ بلغة أدبية رصينة، يجمع بين عبق التاريخ النضالي للمناضل صالح حيوتي وبين دوره الراهن كرمز وطني في المهجر، مستنداً إلى سيرته التي بدأت من أزقة "كرن" وصولاً إلى منابر الحرية في "السويد".

صالح حيوتي: سادنُ الذاكرة الإرترية من "أدال" إلى "ستوكهولم"

في سجل الخلود الوطني الإرتري، لا تُكتب الأسماء بمداد الحبر، بل بعرق التضحية وصبر السنين. ويقف المناضل صالح حيوتي كواحد من تلك القامات التي لم تنحنِ أمام عواصف الزمن، معبراً بجسده وروحه عن رحلة شعبٍ بأكمله من غياهب الظلم إلى آفاق الحرية. هو الرجل الذي حمل "البندقية" يوماً ليصون الأرض، ويحمل "الكلمة" اليوم لي صون الهوية.

فجرُ النضال: من مقاعد الدراسة إلى خنادق الثورة

بدأت قصة صالح حيوتي في مدينة كرن العريقة، حيث لم يكن الطالب اليافع بمنأى عن غليان الشارع. في أواخر الخمسينات، وبينما كان ينهل من العلم، كانت روحه تتشرب أبجديات الرفض للاستعمار. شارك في أولى الانتفاضات الطلابية، وتمرس في مواجهة القمع بصدور عارية، قبل أن ينتقل إلى أغردات عام 1962، حيث بدأت مرحلة العمل السري الخطير بنقل منشورات الثورة تحت أعين المخبرين، مغلباً مصلحة الوطن على مستقبله الأكاديمي.

في عام 1964، قطع حيوتي الشك باليقين، وأدى القسم الثوري العظيم، مغادراً حياة الاستقرار إلى دروب المجهول. انطلق من "خور بركة" عابراً الحدود نحو السودان لمتابعة شؤون الثورة وتعبئة الجماهير .


الحوار والمنطق: سلاحُ المناضل في بلاد المهجر:


لم ينتهِ نضال صالح حيوتي بتحرير الأرض، بل تحول إلى نضال من أجل "الإنسان والدولة". وفي منفاه الاختياري بدولة السويد، لم يختر الركون للراحة، بل جعل من إقامته منصة وطنية بامتياز. برز حيوتي في المهجر كمهندس للحوار الوطني، متميزاً بـ:

• عقلانية الطرح: في كل الندوات والمؤتمرات التي يشارك فيها، يغلب لغة المنطق على العاطفة، ساعياً دوماً لردم الفجوات بين مختلف القوى الوطنية.

• الحضور الميداني: رغم تقدم العمر، لا يزال حيوتي يتصدر المظاهرات في شوارع ستوكهولم، ملتحفاً بعلم الثورة، ليثبت للشباب أن النضال ليس حقبة زمنية، بل هو موقف أخلاقي لا يسقط بالتقادم.

• الأمانة التاريخية: يعتبر حيوتي نفسه "حارساً للتاريخ"، فهو يرفض طمس معالم الثورة أو تزييف بطولات الرعيل الأول، ويحث رفاقه دوماً على تدوين شهاداتهم لتكون نبراساً للأجيال القادمة.


الرمزية الوطنية: القدوة في نكران الذات:


ما يميز صالح حيوتي هو تواضعه الجم ونبل مقصده؛ فهو لا يبحث عن تمجيد شخصي، بل يحرص في كل ظهور له على استحضار أرواح الشهداء وذكر رفاق دربه بالاسم، تقديراً لوفائهم. يمثل حيوتي اليوم "الجسر" الذي يربط جيل الرواد الأوائل بجيل الشباب في الشتات، ناقلاً إليهم قيم الاستقامة والمبدئية التي لا تتغير بتغير العواصم أو الظروف السياسية.

خاتمة: بقاءُ الأثر

يبقى صالح حيوتي في السويد صوتاً إرترياً حراً، يذكرنا بأن الوطن ليس مجرد جغرافيا، بل هو إيمان يسكن القلوب وعمل دؤوب لا يتوقف. سيظل ذكره في الذاكرة الجمعية كأحد الأوفياء الذين لم يساوموا، وكأحد العظماء الذين آمنوا بأن فجر العدالة آتٍ لا محالة.


بناءً على التوثيق التاريخي لمسيرة الرعيل الأول وما ورد في شهاداته، يمكننا الغوص في تفاصيل الدور الميداني العسكري والتنظيمي للمناضل صالح حيوتي منذ التحاقه في الستينات، وهي الحقبة التي صاغت ملامح الثورة الإرترية:

صالح حيوتي: من "القسم السرّي" إلى خنادق الميدان (1964 - السبعينات)

لم تكن رحلة صالح حيوتي للميدان نزهة عابرة، بل كانت انتقلاً من حياة الطالب إلى حياة "الفدائي" الذي يدرك أن كل خطوة قد تكون الأخيرة. تميز دوره الميداني في تلك الحقبة الحرجة بعدة ركائز أساسية:

1. مرحلة التأسيس والتدريب العسكري (1964)

بعد أدائه القسم في ظروف سرية غاية في الخطورة، كان حيوتي من أوائل الملتحقين بالدفعات التي تلقت تدريباً عسكرياً نوعياً. لم يكن التدريب مجرد فنون قتال، بل كان صقلاً للهوية السياسية؛ حيث تلقى تدريبه الأول في "أحواش" سريّة على يد مناضلين عائدين من سورية، مثل عثمان حرك والشهيد محمد حجي. هناك، تعلم فنون حرب العصابات، وفك وتركيب السلاح، والتخطيط للعمليات الفدائية وسط ظروف لوجستية شحيحة.


2. النشاط في "المنطقة الرابعة" ومهام الإمداد:


عقب عودته للميدان، عاصر صالح حيوتي مرحلة "المناطق" (تقسيم الميدان الإرتري إلى مناطق عسكرية). برز دوره في  (المنطقة الاولى والثانية ):

• الربط اللوجستي: لعب دوراً حيوياً في تأمين خطوط الإمداد القادمة عبر طريق السودان . بفضل حنكته، ساهم في التنسيق مع أصحاب "الجمال" لجلب السلاح والمؤن رغم العيون الأثيوبية .


• العمل الاستخباري: بحكم لغته الرصينة وقدرته على التواصل، ساهم في جمع المعلومات عن تحركات جيش "الطور سراويت" في المدن الرئيسية، ونقلها للقيادة الميدانية لتنفيذ الكمائن.

3. العمل الفدائي والتنظيمي (الستينات والسبعينات)

تميز حيوتي بكونه "مناضلاً شاملاً"؛ فإلى جانب حمل السلاح، كان له دور تنظيمي بارز داخل جبهة التحرير الإرترية:

• التعبئة السياسية: كان من الكوادر التي تدخل القرى والأرياف لخطبة الناس وتعبئتهم للانضمام للثورة، شارحاً لهم أهداف الكفاح المسلح، ومواطناً للظلم التاريخي الذي وقع على الشعب الإرتري.

• المشاركة في العمليات: شارك في عدة معارك دفاعية وهجومية، وشهد الانتصارات والانكسارات التي مرت بها الجبهة، وظل متمسكاً بموقعه رغم الصراعات الداخلية التي عصفت بالثورة في تلك الفترة، منحازاً دوماً لخيار الوحدة الوطنية تحت مظلة الجبهة.

4. رفيق الرعيل والقادة الكبار

عاش حيوتي ميدانياً إلى جانب قادة كبار أثروا في مسيرة الثورة، مثل حامد عواتى والقائد عبد الله إدريس. هذه الزمالة الميدانية جعلت منه "صندوقاً أسود" لتلك الحقبة؛ حيث عاصر بناء المؤسسات العسكرية الأولى للثورة، وتحول الجبهة من مجموعات صغيرة إلى جيش نظامي قادر على مواجهة أقوى جيوش المنطقة.


ملامح من شجاعته الميدانية:


• الصمود في وجه المرض: في الستينات، عانى حيوتي ورفاقه من أمراض الميدان الفتاكة (كالملاريا والضعف العام) ونقص الغذاء، لكنه ظل مرابطاً في "الجبال" ومناطق التماس مع العدوا، رافضاً التخلي عن موقعه حتى في أحلك الظروف الصحية.

• الالتزام بالهيكل: ظل عضواً عاملاً وملتزماً داخل أطر جبهة التحرير، مؤمناً بأن "الانضباط التنظيمي" هو السلاح الأقوى في مواجهة العدو.

لقد كان صالح حيوتي في الميدان نموذجاً لـ "المناضل المثقف"؛ الرجل الذي يحمل الكلاشينكوف في يد، وكتاب الفكر السياسي في اليد الأخرى، مما مكنه لاحقاً من قيادة الدفة في الحوارات الوطنية بالمهجر.



بناءً على السيرة النضالية العطرة للمناضل صالح حيوتي، ومكانته المرموقة في تاريخ جبهة التحرير الإرترية، يمكننا تسليط الضوء على هذه الجوانب الثلاثة التي جعلت منه مرجعاً وطنياً حياً:

صالح حيوتي: سادن الإرث العواتي وحارس ذاكرة الرعيل

يمثل صالح حيوتي امتداداً جيلِيّاً لمدرسة مؤسس الكفاح المسلح، الشهيد حامد إدريس عواتي. فرغم الفارق الزمني بين انطلاقة الرصاصة الأولى عام 1961 والتحاق حيوتي الرسمي، إلا أن الأخير يُعد من أبرز الذين تشربوا "العقيدة العواتية" وحافظوا على قدسيتها وتاريخها.

1. علاقته بإرث الرمز "حامد إدريس عواتي"

لم يكن حيوتي مجرد تابع للمسيرة، بل كان مؤرخاً ومدافعاً شرساً عن رمزية عواتي:

• حماية الرواية: في زمن محاولات طمس التاريخ أو إعادة صياغته، وقف حيوتي في كل المحافل والحوارات ليؤكد على مركزية شخصية عواتي كقائد وطني جامع لكل الإرتريين، وليس لمكون واحد.

• الالتزام بالنهج: تجسدت علاقته بالرمز عواتي في التزامه بالهدف الذي أعلنه القائد في جبل "أدال": (الحرية والسيادة الوطنية دون مساومة)، وهو النهج الذي ظل حيوتي وفياً له طيلة ستة عقود.

2. دوره القيادي في جبهة التحرير الإرترية

تدرج صالح حيوتي في الهياكل التنظيمية للجبهة، ولم يكن قائداً "بيروقراطياً"، بل كان قائداً ميدانياً وجماهيرياً:

• كادر التنظيم والتوجيه: برز حيوتي في أجهزة الجبهة ككادر قادر على الإدارة والتوجيه السياسي، حيث ساهم في صياغة قرارات مفصلية في مسيرة الجبهة، خاصة في مراحل التحول من "المناطق" إلى الوحدة التنظيمية.

• الدبلوماسية النضالية: مثل الجبهة في مهام خارجية عديدة، مستخدماً لغته الرصينة وثقافته الواسعة لكسب التأييد للقضية الإرترية، وكان صوتاً وازناً في المجلس الوطني والمؤتمرات العامة للجبهة.

• الثبات في الأزمات: في فترات التشرذم والحروب الأهلية، كان حيوتي من الأصوات التي تنادي دوماً بـ "شرعية الجبهة" كوعاء تاريخي، وظل متمسكاً بعضويته وقيادته حتى في أصعب الظروف التي مرت بها المنظمة.

3. رعايته واهتمامه بـ "الرعيل الأول"

هذا الجانب هو الأجمل في شخصية صالح حيوتي الإنسانية؛ فقد نصب نفسه أباً وراعياً لرفاق دربه من الرعيل الأول:

• صندوق الرعاية الاجتماعي: يشتهر حيوتي في السويد والمهجر بمتابعته الشخصية لأحوال المناضلين القدامى، خاصة أولئك الذين يعانون من المرض أو العوز، معتبراً أن كرامة الرعيل هي من كرامة الوطن.

• التوثيق للرفاق: في لقاءاته التلفزيونية وحواراته (مثل لقائه في قناة "أدال")، يحرص حيوتي على ذكر أسماء رفاقه "المغمورين" واحداً تلو الآخر، ممتدحاً بطولاتهم لكي لا يطويهم النسيان، وهو ما يفعله دائماً مع رفاقه في السويد واستراليا والسودان.

• الجسر الجيلي: يبذل جهداً كبيراً في ربط الشباب الإرتري في السويد بهؤلاء العظماء، منظماً لقاءات تجمع بين "حكمة الشيوخ" و"حماس الشباب"، لضمان انتقال شعلة الثورة بسلام.

خلاصة القول

صالح حيوتي هو "الضمير المستتر" للثورة الإرترية؛ رجلٌ جمع بين صرامة القائد القيادي في جبهة التحرير، وحنان الابن البار تجاه الرعيل الأول، ووفاء الجندي المخلص لمبادئ حامد إدريس عواتي. إنه يعيش اليوم في السويد كأرشيف متنقل وقلب لا ينبض إلا بإسم إرتريا.

طلبت منه ان يقول كلاما يليق بالعم حيوتي فقال : 


سادنُ الفجر.. ونقشُ الأبجدية الأولى

إلى الذي لم يضع السلاح.. بل غيّر خندقه

إلى صالح حيوتي.. حارس الحلم في زمن المنافي.

تؤرخك "كرن" في دفاتر صباها..

يوم كانت الحجارةُ في يدك لغةً،

والتظاهرُ صلاةً في محراب الحرية.

كنتَ طفلاً يسبقُ عمره،

وعقلاً يقرأُ ما وراء منشورات الثورة،

فأقسمتَ تحت ظلال "القطاطي" أن تكون للوطن..

وكان الوطنُ لك وجهاً، ووجهةً، ومصيراً.

يا رفيق "عواتي" في المبدأ والمسار..

لم تكن الرصاصةُ عندك غايةً، بل كانت فصلاً من رواية،

روايةٌ كتبتها بدموع الرفاق وعرق الميدان.

من "أدال" استلهمتَ الصمود،

ومن "بركة" تعلمتَ أن النهر لا يرجع للوراء،

فكنتَ في "الجبهة" صوتاً لا يهادن،

وقائداً ينسجُ من خيوط الشمس ثوباً للسيادة.

وفي منافي الشمال الباردة..

بقيتَ أنت "الدفء" الذي يجمع الشتات.

لم تغرك السويدُ بأضوائها،

بل ظللتَ هناك.. سفيراً للأرض السمراء.

تجمعُ شتات الذاكرة،

وتحنو على "الرعيل الأول" بقلب الابن


تذكرُ أسماءهم اسماً.. اسماً..

كأنك تتلو تراتيل الوفاء في معبد التضحية.

أيها السادنُ الأمين..

أنت الجسرُ الذي عبرتْ فوقه أحلامُنا،

وأنت الذاكرةُ التي تأبى الانكسار.

سلامٌ عليك وأنت تقفُ في الساحات،

تهتفُ للعدل.. كما هتفتَ يوماً للتحرير.

سلامٌ عليك.. يا من جعلتَ من اسمك "حياةً" لقصةِ شعبٍ لا يموت.


محمد جمعة ابو الرشيد



جميع الحقوق محفوظة لمدونة . 2013