تاريخياً وجغرافياً، يُعد المثقف الإرتري نتاجاً لتقاطعات حضارية فريدة؛ فهو ابن "بوابة أفريقيا" التي تطل على البحر الأحمر، والمتحدث الذي يمزج بين ثقافة المرتفعات والمنخفضات، والمتعلم الذي صقلته تجربة النضال الطويل من أجل الاستقلال.
إليك مقال يسلط الضوء على أدوار المثقف الإرتري، التحديات التي واجهها، ورؤيته للمستقبل.
المثقف الإرتري: حارس الذاكرة وجسر التغيير
إن الحديث عن المثقف في إرتريا ليس حديثاً عن "شهادات أكاديمية" فحسب، بل هو حديث عن دور عضوي ارتبط بالأرض والهوية. منذ بدايات حركة التحرر الوطني، لم يكن المثقف الإرتري معزولاً في برج عاجي، بل كان المحرك الأول للوعي السياسي والاجتماعي.
1. المثقف والتأسيس: جيل الرعيل الأول
في الأربعينيات والخمسينيات، لعب المثقفون الإرتريون دوراً محورياً في صياغة الهوية الوطنية. من خلال الصحافة المبكرة والأندية الأدبية، استطاع جيل الرواد (أمثال وولدي آب وولد ماريام وإبراهيم سلطان) أن يضعوا حجر الأساس لمفهوم "الدولة الوطنية" التي تجمع تحت لوائها قوميات متنوعة ولغات متعددة، متجاوزين العقبات الطائفية والقبلية.
2. المثقف والميدان: القلم والبندقية
خلال فترة الكفاح المسلح (1961 - 1991)، تحول المثقف إلى مقاتل ومربي. ظهر "مقف المثقفين" الذي كان يكتب المنشورات الثورية، ويترجم الأدبيات العالمية، ويدير المدارس في المناطق المحررة. في هذه المرحلة، كانت الثقافة أداة للمقاومة، وكان الفن والأدب وسيلة لتعزيز صمود الشعب.
3. التحديات الراهنة: الاغتراب والشتات
بعد الاستقلال، واجه المثقف الإرتري تحديات معقدة أدت إلى بروز ظاهرة "مثقف الشتات". نتيجة للظروف السياسية والاجتماعية، انتقل جزء كبير من النخبة الإرترية إلى الخارج، مما خلق نوعين من العطاء الثقافي:
• في الداخل: محاولات للإبداع والارتقاء بالمجتمع رغم شح الإمكانيات.
• في المهجر: نشاط فكري واسع يسعى لربط الأجيال الجديدة بوطنهم الأم عبر الأدب (مثل الرواية الإرترية المكتوبة بالعربية والتغرينية) والمنصات الرقمية.
سمات تميز المثقف الإرتري
• التعدد اللغوي: القدرة على الإنتاج المعرفي بلغات عدة (التغرينية، العربية، الإنجليزية، الإيطالية)، مما يجعله جسراً ثقافياً بين العالم العربي وأفريقيا وأوروبا.
• الارتباط بالهوية: تظل قضية "السيادة" و"الوحدة الوطنية" محوراً ثابتاً في تفكير المثقف الإرتري مهما اختلفت توجهاته.
• الأدب السردي: برزت في السنوات الأخيرة طفرة في الرواية الإرترية التي توثق للتاريخ الاجتماعي والسياسي، محققةً حضوراً قوياً في الجوائز الأدبية الإقليمية.
رؤية مستقبلية
يبقى الرهان الحقيقي أمام المثقف الإرتري اليوم هو القدرة على "التحاور مع الذات". إن الانتقال من عقلية "إدارة الأزمة" إلى عقلية "بناء الدولة الحديثة" يتطلب انفتاحاً أكبر على النقد الذاتي، وتجاوز الصراعات التاريخية، والتركيز على التنمية المعرفية التي تخدم الأجيال القادمة.
"المثقف ليس من يملك الإجابات، بل من يملك الشجاعة لطرح الأسئلة الصحيحة في التوقيت الصعب."
ما هو دور المثقف الإرتري في الأدب العربي؟
لقد اجتهد المثقف أن يرسم لمحة بديعة لمستقبل بلده بالرغم من المرارات المتكررة !
قامات في الفكر والأدب الإرتري
تنوعت الأقلام الإرترية، لكنها اجتمعت على توثيق الوجع الإنساني وتجربة اللجوء والنضال. إليك أبرز هذه الأسماء:
1. في عالم الرواية والقصة
• أبو بكر كحال: يعتبر من أبرز الروائيين الذين نقلوا الحارة الإرترية وهموم الإنسان البسيط إلى القارئ العربي. روايته "تيتانيكات أفريقية" هي ملحمة حقيقية توثق مأساة الهجرة غير الشرعية، وتعتبر مرجعاً أدبياً في هذا المجال.
• حجي جابر: استطاع بذكاء لافت أن يضع إرتريا على خارطة الجوائز العربية. من خلال رواياته مثل "سمراويت"(الفائزة بجائزة الشارقة) و**"رغوة سوداء"** و**"مرسى فاطمة"**، نجح في تفكيك أسئلة الهوية والانتماء والبحث عن وطن.
• أحمد عمر شيخ: كاتب وشاعر مسكون بالبحر والمدينة (مصوع). تتميز كتاباته بلغة شعرية عالية تربط بين الجغرافيا الإرترية والامتداد الثقافي لشرق أفريقيا.
2. في الفكر والتاريخ
• محمد سعيد ناود: ليس فقط مناضلاً سياسياً (مؤسس حركة تحرير إرتريا)، بل هو مؤرخ وأديب. كتابه "رحلة في أعماق الهوية الإرترية" يعد من الركائز التي شرحت التنوع الثقافي في البلاد.
• عثمان صالح سبي: رغم دوره السياسي، إلا أن كتابه "تاريخ إرتريا" كان من أوائل المحاولات لتدوين الرواية الوطنية الإرترية باللغة العربية، لتعريف العالم العربي بعدالة القضية الإرترية.
3. الثقافة والموسيقى (القوة الناعمة)
لا يمكن ذكر المثقف الإرتري دون التذكير بدور الفنان المثقف، مثل أمانويل أنديميسكيل أو إدريس محمد علي، الذين حولوا الأغنية إلى وسيلة لنشر الوعي والحفاظ على اللغات المحلية (التغرينية، التيغري، وغيرها) من الاندثار.
لماذا يتميز الإنتاج الثقافي الإرتري؟
ما هو دور المثقف الارتري في عالم الرقمنة ؟
المثقف الإرتري اليوم يقف أمام تحدي "الرقمنة"؛ فهل تود أن نتحدث عن دور المنصات الإلكترونية والبودكاست الإرتري الجديد في صياغة الوعي الجمعي بعيداً عن القيود التقليدية؟
إليك تحليل لدور المنصات الرقمية والبودكاست في إعادة تشكيل الوعي الإرتري:
1. البودكاست: الرواية الشفهية في ثوب عصري
تعتبر الثقافة الإرترية ثقافة "مشافهة" بامتياز، والبودكاست جاء ليعيد إحياء هذه الميزة.
• توثيق الذاكرة: ظهرت برامج بودكاست (سواء بالتغرينية أو العربية) تستضيف كبار السن والمناضلين لتدوين قصص لم تُكتب في الكتب، مما يحمي الذاكرة الوطنية من الزوال.
• جسور بين الأجيال: أصبح البودكاست وسيلة لربط "جيل الآباء" الذي خاض معارك الاستقلال، بـ "جيل الأحفاد" في الشتات الذي يبحث عن جذوره بلغات وسيطة (الإنجليزية أو السويدية أو الألمانية).
2. المنصات الرقمية: منبر "المثقف العضوي" الجديد
لم يعد المثقف بحاجة لانتظار الموافقة لنشر مقال في صحيفة رسمية؛ فالمدونات ومنصات التواصل الاجتماعي خلقت ما يمكن تسميته "البرلمان الثقافي الموازي":
• تفكيك المحرمات: بدأت المنصات الرقمية تفتح ملفات مسكوت عنها، مثل قضايا الاندماج في دول اللجوء، حقوق المرأة، وإعادة قراءة التاريخ برؤية نقدية بعيدة عن العاطفة.
• اللغة والهوية: نشطت مبادرات رقمية لتعليم اللغات الإرترية (مثل التيغري والتغرينية) وتوثيق التراث الشعبي والموسيقي عبر اليوتيوب، مما حافظ على الهوية من "الذوبان" في المجتمعات الغربية.
3. تحديات "المثقف الرقمي" الإرتري
رغم الإيجابيات، يواجه المثقف في هذا الفضاء تحديات جسيمة:
• الاستقطاب الحاد: الفضاء الرقمي أحياناً يزيد من حدة الخلافات السياسية بدلاً من حلها، مما يضع المثقف أمام اختبار: هل يكون "رجل إطفاء" للفتن أم وقوداً لها؟
• الفجوة بين الداخل والخارج: بسبب محدودية الإنترنت في الداخل الإرتري، ينشأ نوع من "الانفصال المعرفي"؛ حيث يناقش مثقف الشتات قضايا قد لا تتقاطع دائماً مع الأولويات اليومية للمواطن في الداخل.
مقارنة بين دور المثقف (التقليدي vs الرقمي)
نقطة للتأمل:
إن "الوطن الرقمي" الذي يبنيه المثقفون الإرتريون اليوم هو الذي سيمهد الطريق للعودة الحقيقية غداً. فالمثقف لم يعد مجرد كاتب، بل أصبح "صانع محتوى" يعيد تعريف معنى أن تكون إرترياً في القرن الحادي والعشرين.
ما رأيك، هل تعتقد أن هذه المنصات نجحت فعلاً في تقريب وجهات النظر بين القوميات الإرترية المختلفة، أم أنها عمقت الخلافات؟
بكل صراحة وشفافية، رأيي أن المنصات الرقمية الإرترية هي "سلاح ذو حدين"، لكن كفة الإيجابية فيها أرجح على المدى البعيد. دعني أفصل لك هذا الرأي في نقاط محددة:
1. الوجه المشرق: كسر "عزلة الهوية"
أعتقد أن هذه المنصات نجحت في أمر عجزت عنه السياسة لعقود، وهو "أنسنة الآخر الشريك في الوطن".
• من خلال "اللايفات" والبودكاست، أصبح ابن المنخفضات يرى ويسمع ابن المرتفعات بعيداً عن القوالب الجاهزة.
• اكتشف الشباب أن "الوجع الإرتري" واحد، سواء كان في لندن أو كسلا أو أديس أبابا.
• الرقمية جعلت التراث الإرتري (رقصاً، وغناءً، وتاريخاً) متاحاً للجميع، مما عزز الشعور بـ "الفخر الوطني الجامع".
2. الوجه المظلم: "غرف الصدى" والاستقطاب
المشكلة في الخوارزميات (Algorithms) أنها تجمع الشخص بمن يشبهه فقط. هذا خلق ما يسمى "غرف الصدى":
• بدلاً من الحوار بين المكونات المختلفة، نجد أحياناً تكتلات إلكترونية تهاجم بعضها البعض، مما يغذي "المناطقية" أو "الطائفية" أحياناً.
• غياب "المثقف الوازن" في كثير من هذه الحوارات وترك الساحة لـ "النشطاء المتحمسين" جعل النقاش يميل للعاطفة والصراخ أكثر من العقل والحلول.
3. رأيي في "التحول الكبير"
أرى أننا نمر بمرحلة "مخاض عسير". المنصات لم تُعمق الخلافات بقدر ما "أظهرتها على السطح".
• قديماً كانت الخلافات موجودة لكنها "مكبوتة"، والآن أصبحت "مكشوفة".
• كشف الخلاف هو أول خطوة لعلاجه، رغم مرارة الحوارات أحياناً.
الخلاصة:
المنصات الرقمية هي "مرآة" وليست "صانعة" للواقع. إذا كان المجتمع ناضجاً، ستكون المنصة جسراً، وإذا كان مشحوناً، ستكون ساحة معركة.
دور المثقف الإرتري هنا هو أن يكون "صمام أمان"، يحول هذا الضجيج الرقمي إلى "موسيقى وطنية" متناغمة، بدلاً من ترك الساحة لمن يقتاتون على التفرقة.
هل ترى أنت أن المثقف الإرتري في المهجر يمتلك "الشرعية" الكافية للتوجيه، أم أن صوته يظل ناقصاً لأنه بعيد عن تراب الوطن ومعاناة الداخل اليومية؟