الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

الحمار: من رفيق الإنسان عبر التاريخ إلى رفيق النضال الإرتري



قد يبدو الحمار في نظر كثير من الناس حيوانًا متواضعًا لا يستحق أن يُفرد له مقال، غير أن التأمل في تاريخه يكشف لنا صورة مختلفة تمامًا؛ فهذا الحيوان الذي لازم الإنسان آلاف السنين كان واحدًا من أهم وسائل النقل وحمل الأثقال، وأسهم في ازدهار الزراعة والتجارة وانتقال البشر عبر الصحارى والجبال والطرق الوعرة.


وفي إريتريا، اكتسب الحمار مكانة خاصة؛ فقد كان جزءًا من الحياة اليومية للمجتمع، ثم أصبح، إلى جانب الجمل والبغل وغيرهما، عنصرًا مساعدًا في النقل والإمداد خلال سنوات النضال الإرتري. ومن المثير أن هذا الحيوان المتواضع لم يكن غائبًا عن النصوص الشرعية؛ فقد ذكره القرآن الكريم في مواضع متعددة، وتحدثت عنه السنة النبوية في أحكام وآداب مختلفة.


وهكذا تمتد قصة الحمار من التاريخ الطبيعي القديم، إلى القرآن والسنة، ثم إلى ذاكرة المجتمع والنضال الإرتري.


أولًا: الحمار في التاريخ… حيوان غيّر حياة الإنسان


ينحدر الحمار المستأنس من الحمار البري الإفريقي، وتشير أحدث الدراسات الجينية الواسعة إلى أن تدجينه حدث في إفريقيا قبل نحو خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، أي قبل قرابة سبعة آلاف سنة، ثم انتشر من إفريقيا إلى أوروبا وآسيا ومناطق أخرى من العالم.


وقد اعتمدت دراسة علمية منشورة في مجلة Science عام 2022 على تحليل جينومات 207 حمير حديثة و31 حمارًا قديمًا، ووجدت أدلة قوية على تدجين واحد في إفريقيا نحو 5000 قبل الميلاد، أعقبه انتشار واسع للحمير في إفريقيا وأوراسيا. 


وهذه النتيجة مهمة جدًا بالنسبة إلى القرن الإفريقي؛ فقد ناقشت دراسات علمية سابقة وحديثة احتمال ارتباط المراحل المبكرة من تدجين الحمار بمناطق القرن الإفريقي وشمال شرق إفريقيا. وتشير بعض الأبحاث إلى أن سلالات أو مجموعات برية ساهمت في تاريخ الحمار المستأنس ربما كانت موجودة في نطاق يمتد إلى السودان وإريتريا وإثيوبيا.


ولذلك فمن الصحيح أن نقول إن إريتريا تقع ضمن منطقة ذات أهمية في تاريخ الحمار الإفريقي، لكن من غير الدقيق علميًا أن نجزم بأن أول حمار دُجّن في التاريخ كان في إريتريا تحديدًا؛ فالمسألة ما زالت محل دراسة، والأدلة الأثرية المباشرة من إريتريا في تلك الحقبة لا تكفي لإثبات ذلك.


لقد منح الحمار الإنسان قدرة استثنائية على الحركة في البيئات الجافة والجبلية وشبه الصحراوية. فهو يتحمل السير لمسافات طويلة، ويحمل الأثقال، ويستطيع الوصول إلى أماكن لا تصل إليها العربات بسهولة. ولهذا أصبح رفيقًا أساسيًا للإنسان في الزراعة والتجارة ونقل الماء والغذاء والأمتعة.


وتكشف الأدلة الأثرية في مصر القديمة أن الحمير كانت تُستخدم في حمل الأثقال منذ آلاف السنين؛ فقد أظهرت هياكل حمير دُفنت في أبيدوس نحو 3000 قبل الميلاد علامات وإصابات عظمية تتفق مع استخدامها في حمل الأحمال الثقيلة. 


ثانيًا: الحمار في القرآن الكريم


لم يرد ذكر الحمار في القرآن الكريم عبثًا، وإنما جاء في سياقات متعددة تحمل دلالات مختلفة.


قال تعالى:


﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾


[النحل: 8]


وهذه الآية تبين إحدى أهم منافع الحمار: الركوب، وتذكر كذلك الزينة. وهي صورة واضحة من صور تسخير الله تعالى بعض مخلوقاته لخدمة الإنسان.


ويظهر الحمار كذلك في قصة الرجل الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، فقال سبحانه:


﴿وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ﴾


[البقرة: 259]


فكان الحمار جزءًا من مشهد عظيم أراد الله به إظهار قدرته على الإحياء بعد الموت.


ويأتي ذكره في مثل تربوي بليغ، قال تعالى:


﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5]


والقرآن هنا لا يذم الحمار؛ وإنما يضرب به المثل لمن يحمل العلم ولا ينتفع به ولا يعمل بمقتضاه، فالحمار يحمل الكتب لكنه لا يعقل ما فيها.


أما الموضع الذي ارتبط بصفة الحمار وصوته، فهو قول الله تعالى:


﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19]


فالآية تعلم الإنسان الأدب في الكلام، وتدعوه إلى خفض صوته وعدم الصياح والغلظة، وجعلت صوت الحمار مثالًا للصوت المنكر.


ومن المهم هنا ألا نفهم الآية على أنها إهانة للحيوان؛ فالقرآن يستخدم صفات الموجودات وأحوالها في الأمثال والتعليم، دون أن يكون المقصود دائمًا ذم المخلوق نفسه.


ثالثًا: الحمار في السنة النبوية


وجاءت السنة النبوية فذكرت الحمار في عدد من الأحكام والمواقف.


ففي الصحيحين ثبت أن النبي ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية، وهو حكم يتعلق بالحمار الأهلي، ولا ينبغي الخلط بينه وبين الحمار الوحشي الذي جاءت السنة بأحكام مختلفة في شأنه.


ومن الأحاديث المشهورة قول النبي ﷺ:


«إذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنه رأى شيطانًا…» رواه البخاري ومسلم.


وفي الحديث بيان لأمر غيبي أخبر به النبي ﷺ يتعلق بنهيق الحمار.


وفي الوقت نفسه، فإن الإسلام لم يجعل تسخير الحيوان للإنسان مبررًا لتعذيبه أو إهماله، بل قرر قاعدة عظيمة في الرحمة بالحيوان، فقال النبي ﷺ:


«في كل كبد رطبة أجر» متفق عليه.


ومن هنا نجد أن الإسلام يجمع بين الانتفاع بالحيوان والرحمة به؛ فالإنسان ينتفع به في الركوب والحمل، لكنه مأمور بألا يظلمه أو يحمله فوق طاقته.


رابعًا: الحمار في حياة الإنسان الإرتري


إذا انتقلنا من النصوص إلى الواقع الإرتري، وجدنا الحمار حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية منذ أزمان بعيدة.


في القرى والريف، حمل الماء والحطب والحبوب والمحاصيل، وساعد في نقل حاجات الأسرة، ووصل إلى الآبار والمزارع والمسالك التي كانت وسائل النقل الأخرى تعجز عن الوصول إليها.


وتؤكد التقارير المتعلقة بالاقتصاد الريفي الإرتري أن الحمير تدخل في وظائف النقل إلى جانب الثيران والجمال وغيرها من الحيوانات، ولا تزال ذات أهمية خاصة في المجتمعات الزراعية والرعوية.


وهذا الدور لم يكن مجرد خدمة منزلية؛ ففي مجتمع يعتمد بدرجة كبيرة على العمل اليدوي والمسافات الطويلة والبيئات الوعرة، كان امتلاك حمار يعني امتلاك وسيلة للنقل ونقل الماء والغذاء والبضائع.


خامسًا: الحمار والنضال الإرتري


وهنا نصل إلى الجانب الذي ربما يكون أكثر ارتباطًا بذاكرة الإريتريين الحديثة.


فالثورة لا تقوم بالسلاح وحده.


وراء كل مقاتل يحتاج إلى الذخيرة والطعام والماء والدواء والملابس، توجد منظومة كاملة من النقل والإمداد. وكلما كانت الأرض أكثر وعورة، أصبحت وسائل النقل التقليدية أكثر أهمية.


وقد اعتمدت الثورة حرب العصابات الإرترية في مراحل مبكرة من النضال على الحركة سيرًا على الأقدام، مع الاستعانة بوسائل نقل مساعدة، من بينها الحمير والجمال. ويذكر المؤرخ ريتشارد ريد أن وحدات حرب العصابات الإرترية في أواخر الستينيات وبدايات السبعينيات كانت تعمل إلى حد كبير سيرًا على الأقدام، مع استخدام الحمير والجمال كوسائل نقل مهمة.


وتوجد شهادات مباشرة من تاريخ الثورة تصف استخدام الحمير والجمال لحمل المؤن والمتعلقات أثناء تحرك المقاتلين في المناطق الوعرة. ففي إحدى الروايات، جرى الاستيلاء على ثلاثة حمير وجملين من إحدى القرى وربط المؤن والمتعلقات عليها، ثم واصلت المجموعة سيرها، وكذلك كانت تستخدم في إيصال الرسائل السرية من منطقة إلى منطقة .


ولم يكن الدور مقصورًا على نقل احتياجات المقاتلين؛ فقد كان الحمار مهمًا جدًا للسكان المدنيين الذين عاشوا ظروف الحرب والنزوح.


وتصف شهادة ميدانية من إريتريا خلال سنوات الحرب الحمير بأنها كانت لا غنى عنها، ولا سيما بالنسبة إلى النساء، في نقل أكياس الحبوب والاحتياجات الأساسية؛ حتى إن الأسر الأشد فقرًا كانت تُعرَف أحيانًا بأنها تلك التي اضطرت إلى بيع حميرها، فأصبحت تحمل أكياس الذرة على أكتافها أو تستأجر من يحملها عنها. 


كما وثقت تقارير صحفية خلال سنوات الثورة نقل المواد الغذائية في المناطق الخاضعة لسيطرة الثورة بواسطة الحمير والجمال، أحيانًا في الليل وتحت ظروف أمنية صعبة، لإيصال الغذاء إلى المناطق الداخلية. 


ومن هنا يمكن فهم الدور الحقيقي للحمار في النضال الإرتري.


لم يكن مقاتلًا، ولم يحمل بندقية، لكنه حمل ما يحتاجه المقاتل والمدني ليستمر الصمود.


كان يحمل الغذاء، والماء، والأمتعة، وفي بعض الظروف المعدات والمؤن؛ ويساعد على تجاوز المسافات والمسالك التي لم تكن المركبات قادرة على اجتيازها.


ولهذا يمكن أن نطلق عليه ــ مجازًا لا حرفيًا ــ «الجندي المجهول في لوجستيات الثورة».


فالثورات لا تنتصر بالسلاح وحده؛ بل تحتاج إلى شعب يوفر الطعام، ومجتمع يحمي المقاتلين، ونساء يحملن أعباء الحياة، ورعاة وفلاحين يوفرون ما يستطيعون، ووسائل نقل تصل بالمؤن إلى حيث ينبغي أن تصل.


وكان الحمار واحدًا من هذه الوسائل الصامتة.


من التاريخ القديم إلى الثورة


وهنا تلتقي بدايات الحكاية بنهايتها.


قبل نحو سبعة آلاف سنة، كان الحمار المستأنس جزءًا من التحول الذي مكّن الإنسان من نقل الأشياء لمسافات بعيدة في البيئات الجافة وشبه الجافة. ثم ظل آلاف السنين يحمل الماء والغذاء والبضائع، حتى أصبح جزءًا من حياة المجتمعات الإفريقية.


وفي إريتريا، ظل هذا الحيوان حاضرًا في القرية والبادية والمزرعة والطريق، ثم وجد نفسه، دون أن يعرف معنى السياسة أو الثورة، داخل واحدة من أطول حركات التحرر في إفريقيا.


ومن اللافت أن الحمار الذي كان يحمل ماء الأسرة وحبوبها، أصبح في زمن الثورة يحمل أيضًا شيئًا من أعباء النضال.


خاتمة


إن كتابة تاريخ الأمم لا ينبغي أن تقتصر على القادة والمعارك والقرارات السياسية؛ فهناك دائمًا أبطال صامتون لا تظهر أسماؤهم في الكتب، وأشياء صغيرة تشارك في صناعة الأحداث الكبيرة.


والحمار واحد من هذه الشواهد.


فهو حيوان رافق الإنسان آلاف السنين، وأصبح من أهم وسائل النقل في البيئات الصعبة، وتشير الدراسات الحديثة إلى أن قصة تدجينه بدأت في إفريقيا قبل نحو سبعة آلاف سنة، وخاصة في منطقة القرن الأفريقي .


وذكره القرآن الكريم في سياقات متعددة: في الركوب والزينة، وفي قصة الإحياء، وفي المثل، وفي وصف الصوت. وجاءت السنة فبينت بعض الأحكام المتعلقة به، وأرست في الوقت نفسه مبدأ الرحمة بالحيوان.


ثم يأتي التاريخ الإرتري ليضيف فصلًا آخر إلى هذه القصة؛ فقد كان الحمار جزءًا من حياة المجتمع، ثم أسهم في النقل والإمداد خلال سنوات النضال، وحمل إلى جانب الإنسان بعض أثقال الحرب والنزوح والصمود.


ولعل أجمل عبارة تختصر هذه الرحلة الطويلة:


لم يحمل الحمار حلم الاستقلال، ولم يعرف معنى الثورة، لكنه حمل على ظهره شيئًا من أثقال الذين حملوا ذلك الحلم.


ومن هنا فإن قصة الحمار في إريتريا ليست قصة حيوان متواضع فحسب؛ إنها قصة إنسان وأرض، وصبر وحاجة، وحيوان سخّره الله للإنسان، فظل رفيقه في السلم، ورفيقه في الطريق، ورفيقًا صامتًا في زمن النضال.


محمد جمعة أبو الرشيد 

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

جولة في ذاكرة مدن … كسلا الوريفة

 كسلا.. مدينة تسكن الذاكرة



كسلا ليست مجرد مدينة في شرق السودان، بل هي مدينة تسكن الذاكرة، وتبقى حاضرة في القلب مهما ابتعد الإنسان عنها. تقع بين جبلَي التاكا ومكرام ، وعلى ضفاف نهر القاش، وتتميز بطبيعة ساحرة جعلتها من أجمل مدن السودان.

للمنطقة تاريخ عريق، ارتبط منذ القدم بشعوب البجا، ولا سيما الهدندوة والبني عامر والحلنقة، ثم أصبحت كسلا مع مرور الزمن ملتقى لمجموعات سكانية وثقافات متعددة، بحكم موقعها على طرق التجارة والحركة بين السودان وشرق أفريقيا.

أما المدينة الحديثة فقد ازدهرت بصورة خاصة منذ القرن التاسع عشر، وأصبحت مركزًا إداريًا وتجاريًا مهمًا، ثم تعزز حضورها الديني والاجتماعي مع الطريقة الختمية، التي تركت أثرًا واضحًا في حياة المدينة، ومن أبرز معالمها مسجد الختمية العريق.

لكن كسلا بالنسبة لي ليست تاريخًا يُقرأ في الكتب، ولا معالم تُرى في الصور؛ إنها طفولة كاملة وذكريات لا تنسى.

في كسلا درست في معاهدها، وعشت مع زملائي الطلاب في الداخلية بمنطقة سكن  الهنود. كانت حياتنا بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحركة والمغامرات الصغيرة التي لا تزال عالقة في الذاكرة. كنا نرتاد الأسواق والفنادق، ونذهب إلى نادي التاكا القريب من المعهد، كما كنا نرتاد استاد كسلا الرياضي.

ومن أجمل ذكريات تلك الأيام السباحة في نهر القاش. كنا نذهب إليه بقلوب الصغار المليئة بالفرح، فنلعب في مائه ونسبح ونعود وقد حملنا معنا من البهجة ما يكفينا ليوم كامل. كان القاش بالنسبة لنا أكثر من نهر؛ كان جزءًا من طفولتنا وذاكرتنا.

وكانت للأماسي في كسلا مذاق آخر؛ أمسيات هادئة في حضن جبل توتيل، حيث يجتمع الناس، وتنساب الأحاديث في أجواء من الألفة والسكينة، ويبدو الجبل وكأنه يحتضن المدينة وسكانها.

وكانت كسلا أيضًا مدينة المساجد؛ مساجد عامرة بالذكر والعلم والصلاة، يجد فيها الإنسان راحة النفس وطمأنينة القلب. كانت أصوات الأذان والقرآن جزءًا من المشهد اليومي للمدينة، وكانت المجالس العلمية والدينية تمنح الحياة فيها بعدًا إيمانيًا عميقًا.

ولعل أجمل ما في كسلا، بعد طبيعتها، إنسانها. فقد عرفنا أهلها بالطيبة والبساطة وحسن المعاملة، وكان تنوع سكانها مصدرًا من مصادر جمالها؛ فالبجا بمجموعاتهم المختلفة، وغيرهم من أبناء السودان وشرق أفريقيا، عاشوا في فضاء اجتماعي تتداخل فيه الثقافات والعادات، وتجمعهم روح المدينة الواحدة.

وكان الأمن والأمان الذي عشناه آنذاك من أعظم النعم. كنا نتحرك في أحيائها ونرتاد أسواقها ومرافقها ونعود إلى بيوتنا وداخلياتنا بقلوب مطمئنة. وقد جعلت تلك الأجواء حياتنا أكثر هدوءًا، وكأننا كنا نعيش في ظلال أمن مريح يحيط بنا من كل جانب.

وكان هذا الأمن، إلى جانب حضور المساجد والعلم والذكر، يمنح المدينة جوًا إيمانيًا خاصًا؛ أجواء مفعمة بالراحة النفسية والطمأنينة، يشعر فيها الإنسان أن حياته بسيطة، لكنها غنية بالمعاني.

وكانت كسلا تُعرف أيضًا بمذاقها الخاص؛ نكهة القهوة الشرقاوية وهي تُعد على نار هادئة، ورائحتها التي تتسلل من البيوت والمجالس والمقاهي، تختلط برائحة الفول والطعمية الساخنة. وكانت مقاهي كسلا عامرة بالزبائن، تضج بأحاديث الناس وحكاياتهم، في مشهد يعكس روح المدينة وحيويتها.

وكان للطعام في كسلا حكاية أخرى. فالفول والطعمية لم يكونا مجرد وجبة، بل جزءًا من الحياة اليومية؛ وجبة بسيطة بطعم المكان، تُؤكل في المقاهي الشعبية وبين الأصدقاء، وتبقى رائحتها وذكراها مرتبطة بأيام الطفولة.

ومن الأشياء التي لا تزال عالقة في ذاكرتي خضروات كسلا الطازجة؛ إذ كانت تصل يوميًا من المزارع إلى الأسواق، فتجد الخضار في الصباح غضًّا وناضرًا، وكأن الأرض قد أرسلته للتو إلى المدينة. كانت البساتين والسواقي المحيطة بكسلا مصدرًا لهذا الخير، وكان قرب المزرعة من السوق يجعل للمدينة طعمًا خاصًا لا يشبه غيره.

وفي شوارع كسلا وأحيائها عشنا أجمل أيام الطفولة؛ لعبنا، وتجولنا، واحتملنا لسعات البعوض، وسبحنا في مياه القاش، وذهبنا إلى البساتين والسواقي للنزهة. كانت الطبيعة من حولنا جزءًا من حياتنا اليومية، وكان جبل التاكا والقاش وتوتيل والبساتين مشاهد مألوفة لا ندرك وقتها أنها ستصبح يومًا من أثمن الذكريات.

كانت تلك الأيام تجمعني بأقرب الأصدقاء، وبين الأهل والأحبة، في حياة بسيطة لم تكن فيها وسائل الترف الكثيرة التي يعرفها أبناء اليوم، لكن كان فيها شيء أثمن: الصحبة، والمحبة، والحرية، ودفء المجتمع، والإيمان، والأمان.

لهذا حين أتحدث عن كسلا، فإنني لا أتحدث عن مدينة فحسب؛ بل أتحدث عن مرحلة من العمر، وعن أماكن ما زالت تسكن الذاكرة، وعن أصدقاء ووجوه وأيام مضت ولم تعد.

لقد غادرت كسلا منذ زمن، لكنني كلما تذكرت القاش، وجبل التاكا وتوتيل، والبساتين، وشوارع المدينة، ومساجدها، وداخلية معهد سيدي الحسن، شعرت أن جزءًا من طفولتي ما زال هناك.

وربما لهذا لا تعود المدن إلينا في الذاكرة بصورتها فقط؛ بل تعود برائحتها وطعمها وأصواتها ومشاعرها: برائحة القهوة الشرقاوية، وبالفول والطعمية، وبضجيج المقاهي العامرة، وبخضار الصباح القادم من المزارع، وبصوت القاش، وبأصوات المؤذنين، وبهدوء الأمسيات في حضن توتيل، وبطيبة أهلها.

تلك هي كسلا التي عرفناها؛ مدينة اجتمع فيها جمال الطبيعة، وطيبة الإنسان، وتنوع المجتمع، وحضور الإيمان، ونعمة الأمن، فصنعت لنا طفولة لا تزال حية في الذاكرة، كلما أغمضنا أعيننا عادت إلينا تفاصيلها كأنها الأمس.

يؤلمنى جدا عندما اسمع احيانا في الاخبار صراعات مفتعلة بين سكانها، واذكر كنا في المعهد طلاب بني عامر وحباب ، وهدندوة ، ونوبة، وفلانه، وشكرية، وشايقية ، وحتى اخوة إرتريين ، وكنا في قمة المحبة والانسجام ، ولم نسمع قط ان هناك صراعات ولا كراهية ! ايعقل كسلا يدب فوق ترابها عنصري او حاقد او إقصائي ؟ 

كسلا مدينة المحبة والتلاقي والبهجة، والتعاون والتكاتف 

سلام على كسلا التي غادرتها منذ زمن، لكنها لم تغادرني أبدًا.


محمد جمعة أبو الرشيد 


جميع الحقوق محفوظة لمدونة . 2013