الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

جولة في ذاكرة مدن … كسلا الوريفة

 كسلا.. مدينة تسكن الذاكرة



كسلا ليست مجرد مدينة في شرق السودان، بل هي مدينة تسكن الذاكرة، وتبقى حاضرة في القلب مهما ابتعد الإنسان عنها. تقع بين جبلَي التاكا وتوتيل، وعلى ضفاف نهر القاش، وتتميز بطبيعة ساحرة جعلتها من أجمل مدن السودان.

للمنطقة تاريخ عريق، ارتبط منذ القدم بشعوب البجا، ولا سيما الهدندوة والبني عامر والحلنقة، ثم أصبحت كسلا مع مرور الزمن ملتقى لمجموعات سكانية وثقافات متعددة، بحكم موقعها على طرق التجارة والحركة بين السودان وشرق أفريقيا.

أما المدينة الحديثة فقد ازدهرت بصورة خاصة منذ القرن التاسع عشر، وأصبحت مركزًا إداريًا وتجاريًا مهمًا، ثم تعزز حضورها الديني والاجتماعي مع الطريقة الختمية، التي تركت أثرًا واضحًا في حياة المدينة، ومن أبرز معالمها مسجد الختمية العريق.

لكن كسلا بالنسبة لي ليست تاريخًا يُقرأ في الكتب، ولا معالم تُرى في الصور؛ إنها طفولة كاملة وذكريات لا تنسى.

في كسلا درست في معاهدها، وعشت مع زملائي الطلاب في الداخلية بمنطقة سكن  الهنود. كانت حياتنا بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحركة والمغامرات الصغيرة التي لا تزال عالقة في الذاكرة. كنا نرتاد الأسواق والفنادق، ونذهب إلى نادي التاكا القريب من المعهد، كما كنا نرتاد استاد كسلا الرياضي.

ومن أجمل ذكريات تلك الأيام السباحة في نهر القاش. كنا نذهب إليه بقلوب الصغار المليئة بالفرح، فنلعب في مائه ونسبح ونعود وقد حملنا معنا من البهجة ما يكفينا ليوم كامل. كان القاش بالنسبة لنا أكثر من نهر؛ كان جزءًا من طفولتنا وذاكرتنا.

وكانت للأماسي في كسلا مذاق آخر؛ أمسيات هادئة في حضن جبل توتيل، حيث يجتمع الناس، وتنساب الأحاديث في أجواء من الألفة والسكينة، ويبدو الجبل وكأنه يحتضن المدينة وسكانها.

وكانت كسلا أيضًا مدينة المساجد؛ مساجد عامرة بالذكر والعلم والصلاة، يجد فيها الإنسان راحة النفس وطمأنينة القلب. كانت أصوات الأذان والقرآن جزءًا من المشهد اليومي للمدينة، وكانت المجالس العلمية والدينية تمنح الحياة فيها بعدًا إيمانيًا عميقًا.

ولعل أجمل ما في كسلا، بعد طبيعتها، إنسانها. فقد عرفنا أهلها بالطيبة والبساطة وحسن المعاملة، وكان تنوع سكانها مصدرًا من مصادر جمالها؛ فالبجا بمجموعاتهم المختلفة، وغيرهم من أبناء السودان وشرق أفريقيا، عاشوا في فضاء اجتماعي تتداخل فيه الثقافات والعادات، وتجمعهم روح المدينة الواحدة.

وكان الأمن والأمان الذي عشناه آنذاك من أعظم النعم. كنا نتحرك في أحيائها ونرتاد أسواقها ومرافقها ونعود إلى بيوتنا وداخلياتنا بقلوب مطمئنة. وقد جعلت تلك الأجواء حياتنا أكثر هدوءًا، وكأننا كنا نعيش في ظلال أمن مريح يحيط بنا من كل جانب.

وكان هذا الأمن، إلى جانب حضور المساجد والعلم والذكر، يمنح المدينة جوًا إيمانيًا خاصًا؛ أجواء مفعمة بالراحة النفسية والطمأنينة، يشعر فيها الإنسان أن حياته بسيطة، لكنها غنية بالمعاني.

وكانت كسلا تُعرف أيضًا بمذاقها الخاص؛ نكهة القهوة الشرقاوية وهي تُعد على نار هادئة، ورائحتها التي تتسلل من البيوت والمجالس والمقاهي، تختلط برائحة الفول والطعمية الساخنة. وكانت مقاهي كسلا عامرة بالزبائن، تضج بأحاديث الناس وحكاياتهم، في مشهد يعكس روح المدينة وحيويتها.

وكان للطعام في كسلا حكاية أخرى. فالفول والطعمية لم يكونا مجرد وجبة، بل جزءًا من الحياة اليومية؛ وجبة بسيطة بطعم المكان، تُؤكل في المقاهي الشعبية وبين الأصدقاء، وتبقى رائحتها وذكراها مرتبطة بأيام الطفولة.

ومن الأشياء التي لا تزال عالقة في ذاكرتي خضروات كسلا الطازجة؛ إذ كانت تصل يوميًا من المزارع إلى الأسواق، فتجد الخضار في الصباح غضًّا وناضرًا، وكأن الأرض قد أرسلته للتو إلى المدينة. كانت البساتين والسواقي المحيطة بكسلا مصدرًا لهذا الخير، وكان قرب المزرعة من السوق يجعل للمدينة طعمًا خاصًا لا يشبه غيره.

وفي شوارع كسلا وأحيائها عشنا أجمل أيام الطفولة؛ لعبنا، وتجولنا، واحتملنا لسعات البعوض، وسبحنا في مياه القاش، وذهبنا إلى البساتين والسواقي للنزهة. كانت الطبيعة من حولنا جزءًا من حياتنا اليومية، وكان جبل التاكا والقاش وتوتيل والبساتين مشاهد مألوفة لا ندرك وقتها أنها ستصبح يومًا من أثمن الذكريات.

كانت تلك الأيام تجمعني بأقرب الأصدقاء، وبين الأهل والأحبة، في حياة بسيطة لم تكن فيها وسائل الترف الكثيرة التي يعرفها أبناء اليوم، لكن كان فيها شيء أثمن: الصحبة، والمحبة، والحرية، ودفء المجتمع، والإيمان، والأمان.

لهذا حين أتحدث عن كسلا، فإنني لا أتحدث عن مدينة فحسب؛ بل أتحدث عن مرحلة من العمر، وعن أماكن ما زالت تسكن الذاكرة، وعن أصدقاء ووجوه وأيام مضت ولم تعد.

لقد غادرت كسلا منذ زمن، لكنني كلما تذكرت القاش، وجبل التاكا وتوتيل، والبساتين، وشوارع المدينة، ومساجدها، وداخلية معهد سيدي الحسن، شعرت أن جزءًا من طفولتي ما زال هناك.

وربما لهذا لا تعود المدن إلينا في الذاكرة بصورتها فقط؛ بل تعود برائحتها وطعمها وأصواتها ومشاعرها: برائحة القهوة الشرقاوية، وبالفول والطعمية، وبضجيج المقاهي العامرة، وبخضار الصباح القادم من المزارع، وبصوت القاش، وبأصوات المؤذنين، وبهدوء الأمسيات في حضن توتيل، وبطيبة أهلها.

تلك هي كسلا التي عرفناها؛ مدينة اجتمع فيها جمال الطبيعة، وطيبة الإنسان، وتنوع المجتمع، وحضور الإيمان، ونعمة الأمن، فصنعت لنا طفولة لا تزال حية في الذاكرة، كلما أغمضنا أعيننا عادت إلينا تفاصيلها كأنها الأمس.

يؤلمنى جدا عندما اسمع احيانا في الاخبار صراعات مفتعلة بين سكانها، واذكر كنا في المعهد طلاب بني عامر وحباب ، وهدندوة ، ونوبة، وفلانه، وشكرية، وشايقية ، وحتى اخوة إرتريين ، وكنا في قمة المحبة والانسجام ، ولم نسمع قط ان هناك صراعات ولا كراهية ! ايعقل كسلا يدب فوق ترابها عنصري او حاقد او إقصائي ؟ 

كسلا مدينة المحبة والتلاقي والبهجة، والتعاون والتكاتف 

سلام على كسلا التي غادرتها منذ زمن، لكنها لم تغادرني أبدًا.


محمد جمعة أبو الرشيد 


جولة في ذاكرة المدن




مدينة بيرمنجهام ورشة العالم قديما وحاضنة التنوع حديثا .

بقلم: محمد جمعة أبو الرشيد

هناك مدن تزورها فتشعر أنك دخلت مكانًا جديدًا، وهناك مدن تعيش فيها فتكتشف مع مرور السنوات أن علاقتك بها أصبحت جزءًا من قصتك أنت.

وبيرمنجهام واحدة من هذه المدن.

تقع في قلب إنجلترا، في منطقة ويست ميدلاندز، وتبدو للوهلة الأولى مدينة بريطانية حديثة كغيرها من المدن الكبرى. لكن من يتأمل شوارعها وأحياءها وقنواتها ومبانيها القديمة يدرك سريعًا أن وراء هذا المشهد الحديث تاريخًا طويلًا من الصناعة والهجرة والعمل والتحولات الاجتماعية.

إنها المدينة التي كانت يومًا من أهم مراكز الثورة الصناعية في العالم، والتي عُرفت بأنها «ورشة العالم» و**«مدينة الألف حرفة»**، ثم تحولت مع الزمن إلى مدينة جامعية واقتصادية وثقافية متعددة الأعراق والأديان واللغات.

واليوم يعيش في بيرمنجهام أكثر من 1.14 مليون نسمة، وفق تعداد عام 2021، وهو ما يجعلها أكبر مدن بريطانيا خارج لندن. (Birmingham City Council⁠)

لكن أرقام السكان وحدها لا تروي قصة بيرمنجهام.

لفهم المدينة، لا بد أن نعود إلى البداية.

من بلدة صغيرة إلى مدينة صناعية عالمية

لم تكن بيرمنجهام في بداياتها المدينة الضخمة التي نعرفها اليوم. فقد بدأت كمستوطنة ومركز تجاري صغير، ثم أخذت أهميتها في الازدياد مع تطور التجارة والحرف.

وكان أحد أسرار نجاحها المبكر هو انتشار الورش الصغيرة والحرفيين المهرة.

فبدلًا من الاعتماد على صناعة واحدة، تطورت في المدينة مجموعة واسعة من الحرف والصناعات: الأدوات المعدنية، الأقفال، الساعات، الأسلحة، المسامير، الأقلام، المجوهرات وغيرها.

ومع دخول بريطانيا عصر الثورة الصناعية، وجدت بيرمنجهام نفسها في قلب التحول الكبير الذي كان يغير وجه العالم.

فقد أصبحت المدينة مركزًا للابتكار والهندسة والتصنيع، وبرز فيها رجال مثل ماثيو بولتون وجيمس واط وويليام مردوخ، الذين ارتبطت أسماؤهم بتاريخ الثورة الصناعية والتطور العلمي في منطقة ميدلاندز.

لم تكن أهمية بيرمنجهام في وجود مصانع ضخمة فحسب، بل في وجود شبكة هائلة من الورش والمصانع الصغيرة والمتوسطة التي تخصصت في إنتاج عدد كبير جدًا من السلع.

وهنا جاءت شهرتها بأنها مدينة الألف حرفة.

لقد كانت مدينة تقوم على فكرة بسيطة لكنها قوية:

المهارة + الابتكار + العمل = صناعة وتقدم.

القنوات التي تحكي قصة الصناعة

من الأشياء التي قد تلفت انتباه الزائر في بيرمنجهام شبكة القنوات التي تخترق أجزاء من المدينة.

واليوم تبدو القنوات مكانًا هادئًا للمشي والجلوس وركوب القوارب، وتحيط بها المطاعم والمقاهي والمباني الحديثة.

لكن هذه المياه الهادئة تحمل ذاكرة مختلفة تمامًا.

فخلال الثورة الصناعية كانت القنوات شرايين اقتصادية تنقل الفحم والحديد والمواد الخام والبضائع الثقيلة. وتشير بلدية بيرمنجهام إلى أن المدينة تضم نحو 35 ميلًا من القنوات، وأن شبكة Birmingham Canal Navigations الأوسع تتجاوز 100 ميل. (Birmingham City Council⁠)

ولهذا فإن المشي اليوم بجانب إحدى قنوات بيرمنجهام يشبه السير فوق صفحات من تاريخ الثورة الصناعية.

المكان نفسه تغير، لكن ذاكرته بقيت.

حي المجوهرات… عندما يتحول التراث إلى مستقبل

ومن أشهر المناطق التي تختصر تاريخ بيرمنجهام الصناعي حي المجوهرات – Jewellery Quarter.

هذا الحي ليس مجرد منطقة تجارية جميلة، وإنما هو جزء من هوية المدينة الصناعية والحرفية.

يمتد تاريخه لأكثر من مئتي عام، ويضم أكثر من 200 مبنى تاريخي محمي، ولا تزال صناعة المجوهرات حاضرة فيه حتى اليوم. وتقدّر الجهات السياحية في المدينة أن نحو 40% من المجوهرات المصنّعة في بريطانيا تنتج في بيرمنجهام. 

والأجمل في الحي أن الماضي والحاضر يعيشان جنبًا إلى جنب.

ورش قديمة، ومبانٍ تاريخية، وحرفيون، ومصممون، ومقاهٍ ومطاعم ومشروعات إبداعية حديثة.

وفي عام 2025 حصلت بيرمنجهام رسميًا على اعتراف World Craft City، لتصبح واحدة من المدن الأوروبية المعترف بها عالميًا في مجال الحرف والصناعات الإبداعية. 

وهذا الاعتراف يحمل دلالة مهمة:

بيرمنجهام لم تتخل عن تاريخها الحرفي؛ بل أعادت اكتشاف قيمته في اقتصاد المستقبل.

من المصانع إلى المدينة الحديثة

لم تستمر الثورة الصناعية إلى الأبد.

ومع تغير الاقتصاد العالمي وتراجع بعض الصناعات التقليدية خلال القرن العشرين، واجهت بيرمنجهام تحديات كبيرة.

كان عليها أن تعيد تعريف نفسها.

وهذا ما بدأ يحدث تدريجيًا.

تحولت المدينة من اقتصاد يقوم بدرجة كبيرة على التصنيع إلى اقتصاد أكثر تنوعًا يشمل الخدمات، والتعليم، والتجارة، والمال والأعمال، والتكنولوجيا، والسياحة والثقافة.

وأعيد تطوير أجزاء واسعة من وسط المدينة، وظهرت مبانٍ ومراكز تجارية ومناطق ترفيهية حديثة إلى جانب المباني الصناعية والتاريخية.

وهكذا أصبحت بيرمنجهام مدينة تجمع بين ذاكرة المصنع وروح المدينة الحديثة.

مدينة شابة

من السمات المهمة لبيرمنجهام المعاصرة أنها مدينة شابة.

ويشير تقرير مجلس المدينة إلى أن نحو 37% من سكانها كانوا دون الخامسة والعشرين وفق بيانات 2021 المستخدمة في التقرير، كما تضم المدينة عددًا كبيرًا من طلاب الجامعات. (Birmingham City Council⁠)

وهذا يمنح المدينة طاقة مختلفة.

في شوارعها ستجد طلابًا من بريطانيا ومن دول مختلفة، وموظفين ورجال أعمال ومهاجرين وأسرًا قديمة وأجيالًا جديدة ولدت في بريطانيا لكنها تحمل جذورًا من أماكن بعيدة.

وهنا تبدأ قصة أخرى من قصص بيرمنجهام.

قصة الهجرة.

بيرمنجهام… مدينة الهجرة

لا يمكن فهم بيرمنجهام الحالية من دون فهم الهجرة إليها.

فخلال العقود الماضية استقبلت المدينة مهاجرين من مناطق عديدة في العالم، وأسهم هؤلاء في إعادة تشكيل اقتصادها ومجتمعها وثقافتها.

اليوم يمكن أن تمشي في أحد أحياء بيرمنجهام فتسمع لغات مختلفة، وترى مطاعم من مطابخ متعددة، ومساجد وكنائس ومعابد، ومتاجر تحمل أسماء من جنوب آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وغيرها.

وقد أظهر تعداد 2021 أن المجموعات العرقية المصنفة ضمن الأقليات شكلت 51.4% من سكان المدينة، ما جعل بيرمنجهام من أوائل المدن البريطانية التي أصبحت توصف رسميًا بأنها مدينة «شديدة التنوع» أو super-diverse. (Birmingham City Council⁠)

ومن هنا يمكن فهم شيء مهم في شخصية المدينة:

التنوع في بيرمنجهام ليس ظاهرة هامشية؛ بل أصبح جزءًا من هوية المدينة نفسها.

المسلمون في بيرمنجهام

ولعل أبرز مظاهر هذا التنوع هو الحضور الإسلامي.

فوفق بيانات تعداد 2021، بلغت نسبة المسلمين في بيرمنجهام 29.9% من السكان، أي نحو 341,811 شخصًا، لتكون بذلك ثاني أكبر مجموعة دينية في المدينة بعد المسيحيين. (Birmingham City Council⁠)

وهذا الحضور الإسلامي ليس مجرد رقم في إحصائية.

إنه حضور في الحياة اليومية:

في المساجد، والمدارس، والمراكز الإسلامية، والمتاجر، والمطاعم، والمؤسسات الخيرية، والجامعات، والعمل التجاري، والأنشطة الشبابية.

وفي مناطق عديدة من المدينة أصبحت الثقافة الإسلامية جزءًا مألوفًا من المشهد الحضري.

وهنا تظهر بيرمنجهام كنموذج مثير للاهتمام في بريطانيا:

مدينة ذات جذور مسيحية وتاريخ صناعي بريطاني، لكنها في الوقت نفسه أصبحت موطنًا لمجتمع مسلم كبير ومتعدد الخلفيات.

من جنوب آسيا إلى أفريقيا

بدأت بعض موجات الهجرة الكبرى إلى بيرمنجهام من دول الكومنولث، وخاصة من شبه القارة الهندية، ثم اتسعت الهجرة لتشمل مناطق أخرى.

ومع مرور الزمن أصبحت المدينة أكثر تنوعًا.

ويكشف تعداد 2021 عن ارتفاع واضح في أعداد بعض المجموعات الأفريقية؛ فقد زاد عدد السكان من ذوي الخلفية الأفريقية السوداء بصورة كبيرة مقارنة بتعداد 2011. ويشير تقرير الهجرة في بيرمنجهام إلى أن الإريتريين كانوا من بين المكونات الموجودة ضمن السكان المنحدرين من أصول أفريقية. (Birmingham City Council⁠)

وهنا نصل إلى جانب قريب من تجربة كثير من المهاجرين الأفارقة:

الجالية الإريترية في بيرمنجهام.

الإريتريون في بيرمنجهام

مثل كثير من المدن الأوروبية الكبرى، أصبحت بيرمنجهام خلال العقود الأخيرة إحدى المدن التي استقر فيها عدد من الإريتريين.

جاء بعضهم بحثًا عن الأمان والاستقرار، وجاء آخرون للعمل أو الدراسة أو لمّ شمل الأسرة، ثم نشأت مع مرور الوقت شبكات اجتماعية ومؤسسات وأنشطة تخدم أبناء الجالية.

والجالية المهاجرة لا تأتي معها الأمتعة فقط.

إنها تحمل معها اللغة والذاكرة والطعام والدين والعادات والحكايات.

ولهذا نجد أن الإريتري الذي يعيش في بيرمنجهام قد يجد نفسه في وضع فريد:

هو يعيش في بريطانيا، يعمل ويتعلم ويشارك في المجتمع البريطاني، لكنه في الوقت نفسه يحاول أن يحافظ على لغته وثقافته وعلاقته بوطنه الأصلي.

وهذه المعادلة ليست سهلة دائمًا.

فالأجيال الأولى غالبًا ما تكون شديدة الارتباط ببلد المنشأ، بينما ينشأ الجيل الثاني والثالث في بيئة بريطانية مختلفة.

ومن هنا تصبح المؤسسات الاجتماعية والثقافية والدينية مهمة جدًا في المحافظة على جسور التواصل بين الأجيال.

بيرمنجهام والإسلام الإريتري

وللمجتمع الإريتري المسلم خصوصية إضافية.

فالإسلام الإريتري يحمل معه تاريخًا طويلًا من التعليم الديني والروابط الاجتماعية واللغة العربية والتغرينية، إلى جانب تجارب الهجرة والنضال الوطني.

وفي مدن مثل بيرمنجهام، يمكن أن تتحول المساجد والمراكز الإسلامية إلى أكثر من أماكن للعبادة.

فهي قد تكون أماكن للتعليم، والتواصل الاجتماعي، وتربية الشباب، وتعليم القرآن، وإقامة المناسبات، ومساعدة الأسر الجديدة، والحفاظ على صلة الأجيال بجذورها.

وهنا تظهر وظيفة مهمة للمهاجرين:

أن يحافظوا على هويتهم دون أن يعزلوا أنفسهم عن المجتمع الذي يعيشون فيه.

والنجاح الحقيقي ليس في الانغلاق، ولا في الذوبان الكامل، وإنما في بناء شخصية قادرة على الجمع بين الانتماء الثقافي والمواطنة الفاعلة.

بيرمنجهام… مدرسة للتعايش

ربما يكون هذا أحد أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من تجربة بيرمنجهام.

فالمدينة لم تصبح متنوعة بين ليلة وضحاها.

إنها نتيجة عقود من الهجرة والتفاعل والعمل والدراسة والزواج وتكوين الأسر والمشاركة في المجتمع.

قد توجد بالطبع تحديات اجتماعية واقتصادية، وقد توجد أحيانًا توترات أو اختلافات، كما هو الحال في أي مدينة كبيرة.

لكن التجربة اليومية في بيرمنجهام تثبت أن الإنسان يستطيع أن يعيش إلى جانب إنسان آخر يختلف عنه في اللغة أو الأصل أو الدين، وأن يتحول هذا الاختلاف من حاجز إلى مصدر ثراء.

الطعام… مرآة المدينة

ومن أجمل الطرق لاكتشاف بيرمنجهام هو الطعام.

فالمدينة أصبحت معروفة بتنوع مطابخها، ومن أشهر ما ارتبط بها Birmingham Balti، وهو طبق أصبح جزءًا من هوية المدينة الغذائية.

لكن الأمر يتجاوز الـBalti.

ففي شوارع بيرمنجهام يمكن أن تجد مطابخ هندية وباكستانية وبنغلاديشية وأفريقية وعربية وأوروبية وغيرها.

وفي الحقيقة، فإن مطاعم المدينة تحكي قصة الهجرة بطريقة ربما تكون أكثر وضوحًا من كثير من الكتب.

فحين يجلس البريطاني بجانب الباكستاني والإريتري والعربي والأفريقي في مطعم واحد، ويطلب كل منهم طعامًا من ثقافة مختلفة، فإننا نرى صورة مصغرة من بيرمنجهام الحديثة.

المدينة التي لا تنسى تاريخها

رغم كل هذا التغير، لم تتخل بيرمنجهام عن ذاكرتها.

فالمدينة تحتفظ بمبانيها الصناعية القديمة، وقنواتها، وحي المجوهرات، ومتاحفها، ومواقع مرتبطة بتاريخ الثورة الصناعية.

وتقدم بعض المواقع التراثية صورة عن حياة العمال وأسرهم في القرن التاسع عشر، بينما تحافظ المتاحف على ذاكرة الصناعات والحرف التي صنعت شهرة المدينة. 

وهذا مهم جدًا.

فالمدينة الناجحة ليست التي تهدم ماضيها لتبني مستقبلها، بل التي تعرف كيف تجعل الماضي جزءًا من المستقبل.

بيرمنجهام اليوم

إذا أردنا أن نلخص بيرمنجهام اليوم في صورة واحدة، فقد نقول:

مدينة صناعية قديمة بقلب شاب.

في الصباح ترى العمال والطلاب في القطارات.

وفي وسط المدينة ترى المتاجر والمكاتب والمطاعم.

وعلى القنوات ترى آثار الماضي الصناعي.

وفي حي المجوهرات ترى الحرف القديمة وقد أخذت شكلًا جديدًا.

وفي الأحياء الشرقية والجنوبية تسمع لغات كثيرة وترى مساجد ومتاجر ومطاعم تمثل مجتمعات من أنحاء العالم.

وفي الجامعات تجد شبابًا يخططون لمستقبل لا يشبه بالضرورة مستقبل آبائهم.

هذه هي بيرمنجهام.

مدينة تغيرت، لكنها لم تفقد ذاكرتها.

ماذا تقول لنا بيرمنجهام؟

ربما لا تكمن أهمية بيرمنجهام في كونها ثاني أكبر مدينة في بريطانيا خارج لندن فقط.

أهميتها الحقيقية أنها تقدم قصة عن قدرة المدن على التغير.

كانت مدينة تعتمد على الصناعة، ثم واجهت تراجع الصناعة.

وكانت مدينة يغلب عليها طابع سكاني معين، ثم أصبحت من أكثر مدن بريطانيا تنوعًا.

وكانت القنوات فيها شرايين لنقل الفحم والحديد، فأصبحت اليوم أماكن للتنزه والاستجمام.

وكانت الورش تصنع الأدوات والمجوهرات والأقلام، وأصبحت اليوم جزءًا من اقتصاد إبداعي حديث.

وبعبارة أخرى:

بيرمنجهام لم تنجح لأنها بقيت كما كانت، بل لأنها استطاعت أن تتغير دون أن تفقد جذورها.

خاتمة: مدينة «إلى الأمام»

في نهاية المطاف، ربما يكون أجمل ما في بيرمنجهام أنها مدينة لا تزال في حالة حركة.

تاريخها يقول لنا إنها مدينة العمل والصناعة والابتكار.

وحاضرها يقول إنها مدينة التنوع والتعليم والثقافة والهجرة.

أما مستقبلها، فلا يزال مفتوحًا.

والمدينة التي كانت تُعرف يومًا بأنها «ورشة العالم» أصبحت اليوم ورشة اجتماعية وثقافية كبيرة، يعيش فيها أناس من عشرات الخلفيات، ويحاول كل منهم أن يصنع لنفسه مكانًا في المستقبل.

وللمهاجرين فيها قصة خاصة.

فالإريتري الذي جاء إلى بيرمنجهام قبل عقود، ثم الإريتري الذي ولد فيها، والطالب الذي جاء إليها حديثًا، كل واحد منهم يمثل فصلًا من قصة أكبر: قصة الإنسان الذي يحمل وطنه في ذاكرته، لكنه يبني حياته في مكان آخر.

وهنا ربما تكمن إحدى أجمل أفكار بيرمنجهام:

أن الوطن قد يكون المكان الذي ولدت فيه، لكن المدينة التي تعيش فيها يمكن أن تصبح جزءًا من سيرتك أيضًا.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو بيرمنجهام مجرد مدينة في وسط إنجلترا.

إنها مدينة صنعتها الصناعة، وغيّرتها الهجرة، وأغنتها الثقافات، ولا تزال تكتب مستقبلها بأيدي أبنائها وسكانها الجدد.

بيرمنجهام… مدينة الماضي الصناعي، والحاضر المتعدد، والمستقبل المفتوح.

وإذا كان لها أن تختصر قصتها في كلمة واحدة، فلعلها الكلمة التي اختارتها شعارًا لها:

Forward — إلى الأمام.

يا بيرمي  كما يحلو لهم ان يدلعوها 


جميع الحقوق محفوظة لمدونة . 2013