مداد الوفاء ( 5)
الاستاذ المناضل ( صالح حيوتي )
بكل سرور. إليك مقال متكامل ومصاغ بلغة أدبية رصينة، يجمع بين عبق التاريخ النضالي للمناضل صالح حيوتي وبين دوره الراهن كرمز وطني في المهجر، مستنداً إلى سيرته التي بدأت من أزقة "كرن" وصولاً إلى منابر الحرية في "السويد".
صالح حيوتي: سادنُ الذاكرة الإرترية من "أدال" إلى "ستوكهولم"
في سجل الخلود الوطني الإرتري، لا تُكتب الأسماء بمداد الحبر، بل بعرق التضحية وصبر السنين. ويقف المناضل صالح حيوتي كواحد من تلك القامات التي لم تنحنِ أمام عواصف الزمن، معبراً بجسده وروحه عن رحلة شعبٍ بأكمله من غياهب الظلم إلى آفاق الحرية. هو الرجل الذي حمل "البندقية" يوماً ليصون الأرض، ويحمل "الكلمة" اليوم لي صون الهوية.
فجرُ النضال: من مقاعد الدراسة إلى خنادق الثورة
بدأت قصة صالح حيوتي في مدينة كرن العريقة، حيث لم يكن الطالب اليافع بمنأى عن غليان الشارع. في أواخر الخمسينات، وبينما كان ينهل من العلم، كانت روحه تتشرب أبجديات الرفض للاستعمار. شارك في أولى الانتفاضات الطلابية، وتمرس في مواجهة القمع بصدور عارية، قبل أن ينتقل إلى أغردات عام 1962، حيث بدأت مرحلة العمل السري الخطير بنقل منشورات الثورة تحت أعين المخبرين، مغلباً مصلحة الوطن على مستقبله الأكاديمي.
في عام 1964، قطع حيوتي الشك باليقين، وأدى القسم الثوري العظيم، مغادراً حياة الاستقرار إلى دروب المجهول. انطلق من "خور بركة" عابراً الحدود نحو السودان لمتابعة شؤون الثورة وتعبئة الجماهير .
الحوار والمنطق: سلاحُ المناضل في بلاد المهجر:
لم ينتهِ نضال صالح حيوتي بتحرير الأرض، بل تحول إلى نضال من أجل "الإنسان والدولة". وفي منفاه الاختياري بدولة السويد، لم يختر الركون للراحة، بل جعل من إقامته منصة وطنية بامتياز. برز حيوتي في المهجر كمهندس للحوار الوطني، متميزاً بـ:
• عقلانية الطرح: في كل الندوات والمؤتمرات التي يشارك فيها، يغلب لغة المنطق على العاطفة، ساعياً دوماً لردم الفجوات بين مختلف القوى الوطنية.
• الحضور الميداني: رغم تقدم العمر، لا يزال حيوتي يتصدر المظاهرات في شوارع ستوكهولم، ملتحفاً بعلم الثورة، ليثبت للشباب أن النضال ليس حقبة زمنية، بل هو موقف أخلاقي لا يسقط بالتقادم.
• الأمانة التاريخية: يعتبر حيوتي نفسه "حارساً للتاريخ"، فهو يرفض طمس معالم الثورة أو تزييف بطولات الرعيل الأول، ويحث رفاقه دوماً على تدوين شهاداتهم لتكون نبراساً للأجيال القادمة.
الرمزية الوطنية: القدوة في نكران الذات:
ما يميز صالح حيوتي هو تواضعه الجم ونبل مقصده؛ فهو لا يبحث عن تمجيد شخصي، بل يحرص في كل ظهور له على استحضار أرواح الشهداء وذكر رفاق دربه بالاسم، تقديراً لوفائهم. يمثل حيوتي اليوم "الجسر" الذي يربط جيل الرواد الأوائل بجيل الشباب في الشتات، ناقلاً إليهم قيم الاستقامة والمبدئية التي لا تتغير بتغير العواصم أو الظروف السياسية.
خاتمة: بقاءُ الأثر
يبقى صالح حيوتي في السويد صوتاً إرترياً حراً، يذكرنا بأن الوطن ليس مجرد جغرافيا، بل هو إيمان يسكن القلوب وعمل دؤوب لا يتوقف. سيظل ذكره في الذاكرة الجمعية كأحد الأوفياء الذين لم يساوموا، وكأحد العظماء الذين آمنوا بأن فجر العدالة آتٍ لا محالة.
بناءً على التوثيق التاريخي لمسيرة الرعيل الأول وما ورد في شهاداته، يمكننا الغوص في تفاصيل الدور الميداني العسكري والتنظيمي للمناضل صالح حيوتي منذ التحاقه في الستينات، وهي الحقبة التي صاغت ملامح الثورة الإرترية:
صالح حيوتي: من "القسم السرّي" إلى خنادق الميدان (1964 - السبعينات)
لم تكن رحلة صالح حيوتي للميدان نزهة عابرة، بل كانت انتقلاً من حياة الطالب إلى حياة "الفدائي" الذي يدرك أن كل خطوة قد تكون الأخيرة. تميز دوره الميداني في تلك الحقبة الحرجة بعدة ركائز أساسية:
1. مرحلة التأسيس والتدريب العسكري (1964)
بعد أدائه القسم في ظروف سرية غاية في الخطورة، كان حيوتي من أوائل الملتحقين بالدفعات التي تلقت تدريباً عسكرياً نوعياً. لم يكن التدريب مجرد فنون قتال، بل كان صقلاً للهوية السياسية؛ حيث تلقى تدريبه الأول في "أحواش" سريّة على يد مناضلين عائدين من سورية، مثل عثمان حرك والشهيد محمد حجي. هناك، تعلم فنون حرب العصابات، وفك وتركيب السلاح، والتخطيط للعمليات الفدائية وسط ظروف لوجستية شحيحة.
2. النشاط في "المنطقة الرابعة" ومهام الإمداد:
عقب عودته للميدان، عاصر صالح حيوتي مرحلة "المناطق" (تقسيم الميدان الإرتري إلى مناطق عسكرية). برز دوره في (المنطقة الاولى والثانية ):
• الربط اللوجستي: لعب دوراً حيوياً في تأمين خطوط الإمداد القادمة عبر طريق السودان . بفضل حنكته، ساهم في التنسيق مع أصحاب "الجمال" لجلب السلاح والمؤن رغم العيون الأثيوبية .
• العمل الاستخباري: بحكم لغته الرصينة وقدرته على التواصل، ساهم في جمع المعلومات عن تحركات جيش "الطور سراويت" في المدن الرئيسية، ونقلها للقيادة الميدانية لتنفيذ الكمائن.
3. العمل الفدائي والتنظيمي (الستينات والسبعينات)
تميز حيوتي بكونه "مناضلاً شاملاً"؛ فإلى جانب حمل السلاح، كان له دور تنظيمي بارز داخل جبهة التحرير الإرترية:
• التعبئة السياسية: كان من الكوادر التي تدخل القرى والأرياف لخطبة الناس وتعبئتهم للانضمام للثورة، شارحاً لهم أهداف الكفاح المسلح، ومواطناً للظلم التاريخي الذي وقع على الشعب الإرتري.
• المشاركة في العمليات: شارك في عدة معارك دفاعية وهجومية، وشهد الانتصارات والانكسارات التي مرت بها الجبهة، وظل متمسكاً بموقعه رغم الصراعات الداخلية التي عصفت بالثورة في تلك الفترة، منحازاً دوماً لخيار الوحدة الوطنية تحت مظلة الجبهة.
4. رفيق الرعيل والقادة الكبار
عاش حيوتي ميدانياً إلى جانب قادة كبار أثروا في مسيرة الثورة، مثل حامد عواتى والقائد عبد الله إدريس. هذه الزمالة الميدانية جعلت منه "صندوقاً أسود" لتلك الحقبة؛ حيث عاصر بناء المؤسسات العسكرية الأولى للثورة، وتحول الجبهة من مجموعات صغيرة إلى جيش نظامي قادر على مواجهة أقوى جيوش المنطقة.
ملامح من شجاعته الميدانية:
• الصمود في وجه المرض: في الستينات، عانى حيوتي ورفاقه من أمراض الميدان الفتاكة (كالملاريا والضعف العام) ونقص الغذاء، لكنه ظل مرابطاً في "الجبال" ومناطق التماس مع العدوا، رافضاً التخلي عن موقعه حتى في أحلك الظروف الصحية.
• الالتزام بالهيكل: ظل عضواً عاملاً وملتزماً داخل أطر جبهة التحرير، مؤمناً بأن "الانضباط التنظيمي" هو السلاح الأقوى في مواجهة العدو.
لقد كان صالح حيوتي في الميدان نموذجاً لـ "المناضل المثقف"؛ الرجل الذي يحمل الكلاشينكوف في يد، وكتاب الفكر السياسي في اليد الأخرى، مما مكنه لاحقاً من قيادة الدفة في الحوارات الوطنية بالمهجر.
بناءً على السيرة النضالية العطرة للمناضل صالح حيوتي، ومكانته المرموقة في تاريخ جبهة التحرير الإرترية، يمكننا تسليط الضوء على هذه الجوانب الثلاثة التي جعلت منه مرجعاً وطنياً حياً:
صالح حيوتي: سادن الإرث العواتي وحارس ذاكرة الرعيل
يمثل صالح حيوتي امتداداً جيلِيّاً لمدرسة مؤسس الكفاح المسلح، الشهيد حامد إدريس عواتي. فرغم الفارق الزمني بين انطلاقة الرصاصة الأولى عام 1961 والتحاق حيوتي الرسمي، إلا أن الأخير يُعد من أبرز الذين تشربوا "العقيدة العواتية" وحافظوا على قدسيتها وتاريخها.
1. علاقته بإرث الرمز "حامد إدريس عواتي"
لم يكن حيوتي مجرد تابع للمسيرة، بل كان مؤرخاً ومدافعاً شرساً عن رمزية عواتي:
• حماية الرواية: في زمن محاولات طمس التاريخ أو إعادة صياغته، وقف حيوتي في كل المحافل والحوارات ليؤكد على مركزية شخصية عواتي كقائد وطني جامع لكل الإرتريين، وليس لمكون واحد.
• الالتزام بالنهج: تجسدت علاقته بالرمز عواتي في التزامه بالهدف الذي أعلنه القائد في جبل "أدال": (الحرية والسيادة الوطنية دون مساومة)، وهو النهج الذي ظل حيوتي وفياً له طيلة ستة عقود.
2. دوره القيادي في جبهة التحرير الإرترية
تدرج صالح حيوتي في الهياكل التنظيمية للجبهة، ولم يكن قائداً "بيروقراطياً"، بل كان قائداً ميدانياً وجماهيرياً:
• كادر التنظيم والتوجيه: برز حيوتي في أجهزة الجبهة ككادر قادر على الإدارة والتوجيه السياسي، حيث ساهم في صياغة قرارات مفصلية في مسيرة الجبهة، خاصة في مراحل التحول من "المناطق" إلى الوحدة التنظيمية.
• الدبلوماسية النضالية: مثل الجبهة في مهام خارجية عديدة، مستخدماً لغته الرصينة وثقافته الواسعة لكسب التأييد للقضية الإرترية، وكان صوتاً وازناً في المجلس الوطني والمؤتمرات العامة للجبهة.
• الثبات في الأزمات: في فترات التشرذم والحروب الأهلية، كان حيوتي من الأصوات التي تنادي دوماً بـ "شرعية الجبهة" كوعاء تاريخي، وظل متمسكاً بعضويته وقيادته حتى في أصعب الظروف التي مرت بها المنظمة.
3. رعايته واهتمامه بـ "الرعيل الأول"
هذا الجانب هو الأجمل في شخصية صالح حيوتي الإنسانية؛ فقد نصب نفسه أباً وراعياً لرفاق دربه من الرعيل الأول:
• صندوق الرعاية الاجتماعي: يشتهر حيوتي في السويد والمهجر بمتابعته الشخصية لأحوال المناضلين القدامى، خاصة أولئك الذين يعانون من المرض أو العوز، معتبراً أن كرامة الرعيل هي من كرامة الوطن.
• التوثيق للرفاق: في لقاءاته التلفزيونية وحواراته (مثل لقائه في قناة "أدال")، يحرص حيوتي على ذكر أسماء رفاقه "المغمورين" واحداً تلو الآخر، ممتدحاً بطولاتهم لكي لا يطويهم النسيان، وهو ما يفعله دائماً مع رفاقه في السويد واستراليا والسودان.
• الجسر الجيلي: يبذل جهداً كبيراً في ربط الشباب الإرتري في السويد بهؤلاء العظماء، منظماً لقاءات تجمع بين "حكمة الشيوخ" و"حماس الشباب"، لضمان انتقال شعلة الثورة بسلام.
خلاصة القول
صالح حيوتي هو "الضمير المستتر" للثورة الإرترية؛ رجلٌ جمع بين صرامة القائد القيادي في جبهة التحرير، وحنان الابن البار تجاه الرعيل الأول، ووفاء الجندي المخلص لمبادئ حامد إدريس عواتي. إنه يعيش اليوم في السويد كأرشيف متنقل وقلب لا ينبض إلا بإسم إرتريا.
طلبت منه ان يقول كلاما يليق بالعم حيوتي فقال :
سادنُ الفجر.. ونقشُ الأبجدية الأولى
إلى الذي لم يضع السلاح.. بل غيّر خندقه
إلى صالح حيوتي.. حارس الحلم في زمن المنافي.
تؤرخك "كرن" في دفاتر صباها..
يوم كانت الحجارةُ في يدك لغةً،
والتظاهرُ صلاةً في محراب الحرية.
كنتَ طفلاً يسبقُ عمره،
وعقلاً يقرأُ ما وراء منشورات الثورة،
فأقسمتَ تحت ظلال "القطاطي" أن تكون للوطن..
وكان الوطنُ لك وجهاً، ووجهةً، ومصيراً.
يا رفيق "عواتي" في المبدأ والمسار..
لم تكن الرصاصةُ عندك غايةً، بل كانت فصلاً من رواية،
روايةٌ كتبتها بدموع الرفاق وعرق الميدان.
من "أدال" استلهمتَ الصمود،
ومن "بركة" تعلمتَ أن النهر لا يرجع للوراء،
فكنتَ في "الجبهة" صوتاً لا يهادن،
وقائداً ينسجُ من خيوط الشمس ثوباً للسيادة.
وفي منافي الشمال الباردة..
بقيتَ أنت "الدفء" الذي يجمع الشتات.
لم تغرك السويدُ بأضوائها،
بل ظللتَ هناك.. سفيراً للأرض السمراء.
تجمعُ شتات الذاكرة،
وتحنو على "الرعيل الأول" بقلب الابن
تذكرُ أسماءهم اسماً.. اسماً..
كأنك تتلو تراتيل الوفاء في معبد التضحية.
أيها السادنُ الأمين..
أنت الجسرُ الذي عبرتْ فوقه أحلامُنا،
وأنت الذاكرةُ التي تأبى الانكسار.
سلامٌ عليك وأنت تقفُ في الساحات،
تهتفُ للعدل.. كما هتفتَ يوماً للتحرير.
سلامٌ عليك.. يا من جعلتَ من اسمك "حياةً" لقصةِ شعبٍ لا يموت.
محمد جمعة ابو الرشيد


ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق