أزماتنا الداخلية بين التهوين والتهويل ( 2)
المقالة الثانية "فقه الأولويات" تركز هذه المقالة حول اعادة توجيه البوصلة نحو الأزمة الحقيقية التي يعيشها الإنسان الإرتري في الداخل، بدلاً من الغرق في قشور المعارك الرقمية والهامشية.
افشل شباب هو الذي يخوض معارك طاحنة في غير أرضها :
تخيل أن هناك بيتاً يتعرض للغرق والنيران تلتهمه من كل جانب، وبدلاً من أن يتكاتف سكانه لإطفاء الحريق وتأمين النجاة، وقفوا عند العتبة يتشاجرون بحدة حول لون الطلاء الذي يجب أن يختاروه للواجهة بعد إخماد النار!
هذا المشهد، على غرابته وجنونه، هو الوصف الدقيق لكثير من السجالات التي يخوضها الشباب الإرتري اليوم في الفضاء الرقمي وفي مجالس الشتات. إنها معارك حامية الوطيس، تُبذل فيها طاقات جبارة، وتُهدر فيها ساعات طوال، ولكنها للأسف... في غير أرض المعركة الحقيقية.
بوصلة مشوشة وأولويات مقلوبة
بينما يستنزف الشباب أنفسهم في تصفية حسابات قديمة، أو الجدل حول قضايا تاريخية حُسمت أو تجاوزها الزمن، أو التنافس على زعامة منصات افتراضية، هناك واقع مرير وقاسٍ يعيشه أهلنا في الداخل لا ينتظر ترف هذه النزاعات:
الأرض تغرق في الجوع والفقر: عائلات تكافح لتأمين قوت يومها الأساسي في ظل اقتصاد مشلول.
الجهل يهدد المستقبل:
منظومة تعليمية منهكة تفرغ الوطن من كفاءاته وتحول الشباب إلى طاقات معطلة.
الاستبداد والقمع:
يسلبان الإنسان كرامته وحريته وأبسط حقوقه في التعبير والحياة.
هذا هو الميدان الحقيقي الذي يحتاج إلى عقولنا، وأقلامنا، وأموالنا، وتخطيطنا. كل جهد يُبذل خارج هذا الميدان هو جهد ضائع، وكل معركة جانبية نخوضها هي انسحاب مقنّع من المعركة الكبرى ضد الثالوث المدمر: الاستبداد، والفقر، والجهل.
كلفة "اللاشيء"
حين نتحاور من أجل "اللاشيء"، فإننا ندفع ثمناً باهظاً من رصيد شعبنا. الثمن هو الزمن؛ فالأيام التي تضيع في الخلافات تعني بقاء الوضع على ما هو عليه لفترة أطول، وتعني استمرار نزيف الهجرة وقوارب الموت التي تبتلع خيرة شبابنا هرباً من جحيم الداخل.
إن النضج السياسي والوطني لا يعني ألا نختلف، بل يعني أن نعرف متى نؤجل خلافاتنا لصالح ما هو أهم وأبقى. إن إنقاذ الإنسان الإرتري، وتوفير الحياة الكريمة له، وتخليصه من قبضة القمع، هو "الفرض" الذي يجب أن يجتمع عليه الجميع، وما دونه من تفاصيل وخلافات فكرية أو سياسية هي "نوافل" يمكن إرجاؤها إلى وقت السعة والحرية.
نحو إعادة ضبط البوصلة
يا شبابنا الواعد، إن القوة لا تكمن في من يملك نفساً أطول في الجدال، بل في من يملك رؤية أوضح في البناء. لتكن منصاتنا، ومجموعاتنا، وحواراتنا منصات لـ:
1. التوعية بمعاناة الداخل: وإيصال صوت المظلومين والمغيبين إلى العالم.
2. ابتكار الحلول: كيف ندعم التعليم؟ كيف نخفف وطأة الفقر؟ كيف نبني شبكات تضامن حقيقية؟
3. التكامل لا التناحر: أن يكمل القومي والمستقل، والتقليدي والمجدد، والإسلامي ، بعضهم البعض في لوحة وطنية واحدة.
لننسحب فوراً من المعارك الوهمية، ولنوجه سهام فكرنا وطاقتنا نحو الهدف الأساسي. أهلنا في الداخل ينظرون إلينا كطوق نجاة، فلا نخذلهم بالغرق في شبر من الخلافات العبثية.
سؤال تفاعلي للجمهور: "ما هي الخطوة العملية الأولى التي يمكننا اتخاذها اليوم لتحويل طاقاتنا من الجدال الرقمي إلى العمل السياسي الفاعل والإغاثي المفيد والتوعوي الحقيقي؟"
محمد جمعة ابو الرشيد



ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق