كسلا.. مدينة تسكن الذاكرة
كسلا ليست مجرد مدينة في شرق السودان، بل هي مدينة تسكن الذاكرة، وتبقى حاضرة في القلب مهما ابتعد الإنسان عنها. تقع بين جبلَي التاكا وتوتيل، وعلى ضفاف نهر القاش، وتتميز بطبيعة ساحرة جعلتها من أجمل مدن السودان.
للمنطقة تاريخ عريق، ارتبط منذ القدم بشعوب البجا، ولا سيما الهدندوة والبني عامر والحلنقة، ثم أصبحت كسلا مع مرور الزمن ملتقى لمجموعات سكانية وثقافات متعددة، بحكم موقعها على طرق التجارة والحركة بين السودان وشرق أفريقيا.
أما المدينة الحديثة فقد ازدهرت بصورة خاصة منذ القرن التاسع عشر، وأصبحت مركزًا إداريًا وتجاريًا مهمًا، ثم تعزز حضورها الديني والاجتماعي مع الطريقة الختمية، التي تركت أثرًا واضحًا في حياة المدينة، ومن أبرز معالمها مسجد الختمية العريق.
لكن كسلا بالنسبة لي ليست تاريخًا يُقرأ في الكتب، ولا معالم تُرى في الصور؛ إنها طفولة كاملة وذكريات لا تنسى.
في كسلا درست في معاهدها، وعشت مع زملائي الطلاب في الداخلية بمنطقة سكن الهنود. كانت حياتنا بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحركة والمغامرات الصغيرة التي لا تزال عالقة في الذاكرة. كنا نرتاد الأسواق والفنادق، ونذهب إلى نادي التاكا القريب من المعهد، كما كنا نرتاد استاد كسلا الرياضي.
ومن أجمل ذكريات تلك الأيام السباحة في نهر القاش. كنا نذهب إليه بقلوب الصغار المليئة بالفرح، فنلعب في مائه ونسبح ونعود وقد حملنا معنا من البهجة ما يكفينا ليوم كامل. كان القاش بالنسبة لنا أكثر من نهر؛ كان جزءًا من طفولتنا وذاكرتنا.
وكانت للأماسي في كسلا مذاق آخر؛ أمسيات هادئة في حضن جبل توتيل، حيث يجتمع الناس، وتنساب الأحاديث في أجواء من الألفة والسكينة، ويبدو الجبل وكأنه يحتضن المدينة وسكانها.
وكانت كسلا أيضًا مدينة المساجد؛ مساجد عامرة بالذكر والعلم والصلاة، يجد فيها الإنسان راحة النفس وطمأنينة القلب. كانت أصوات الأذان والقرآن جزءًا من المشهد اليومي للمدينة، وكانت المجالس العلمية والدينية تمنح الحياة فيها بعدًا إيمانيًا عميقًا.
ولعل أجمل ما في كسلا، بعد طبيعتها، إنسانها. فقد عرفنا أهلها بالطيبة والبساطة وحسن المعاملة، وكان تنوع سكانها مصدرًا من مصادر جمالها؛ فالبجا بمجموعاتهم المختلفة، وغيرهم من أبناء السودان وشرق أفريقيا، عاشوا في فضاء اجتماعي تتداخل فيه الثقافات والعادات، وتجمعهم روح المدينة الواحدة.
وكان الأمن والأمان الذي عشناه آنذاك من أعظم النعم. كنا نتحرك في أحيائها ونرتاد أسواقها ومرافقها ونعود إلى بيوتنا وداخلياتنا بقلوب مطمئنة. وقد جعلت تلك الأجواء حياتنا أكثر هدوءًا، وكأننا كنا نعيش في ظلال أمن مريح يحيط بنا من كل جانب.
وكان هذا الأمن، إلى جانب حضور المساجد والعلم والذكر، يمنح المدينة جوًا إيمانيًا خاصًا؛ أجواء مفعمة بالراحة النفسية والطمأنينة، يشعر فيها الإنسان أن حياته بسيطة، لكنها غنية بالمعاني.
وكانت كسلا تُعرف أيضًا بمذاقها الخاص؛ نكهة القهوة الشرقاوية وهي تُعد على نار هادئة، ورائحتها التي تتسلل من البيوت والمجالس والمقاهي، تختلط برائحة الفول والطعمية الساخنة. وكانت مقاهي كسلا عامرة بالزبائن، تضج بأحاديث الناس وحكاياتهم، في مشهد يعكس روح المدينة وحيويتها.
وكان للطعام في كسلا حكاية أخرى. فالفول والطعمية لم يكونا مجرد وجبة، بل جزءًا من الحياة اليومية؛ وجبة بسيطة بطعم المكان، تُؤكل في المقاهي الشعبية وبين الأصدقاء، وتبقى رائحتها وذكراها مرتبطة بأيام الطفولة.
ومن الأشياء التي لا تزال عالقة في ذاكرتي خضروات كسلا الطازجة؛ إذ كانت تصل يوميًا من المزارع إلى الأسواق، فتجد الخضار في الصباح غضًّا وناضرًا، وكأن الأرض قد أرسلته للتو إلى المدينة. كانت البساتين والسواقي المحيطة بكسلا مصدرًا لهذا الخير، وكان قرب المزرعة من السوق يجعل للمدينة طعمًا خاصًا لا يشبه غيره.
وفي شوارع كسلا وأحيائها عشنا أجمل أيام الطفولة؛ لعبنا، وتجولنا، واحتملنا لسعات البعوض، وسبحنا في مياه القاش، وذهبنا إلى البساتين والسواقي للنزهة. كانت الطبيعة من حولنا جزءًا من حياتنا اليومية، وكان جبل التاكا والقاش وتوتيل والبساتين مشاهد مألوفة لا ندرك وقتها أنها ستصبح يومًا من أثمن الذكريات.
كانت تلك الأيام تجمعني بأقرب الأصدقاء، وبين الأهل والأحبة، في حياة بسيطة لم تكن فيها وسائل الترف الكثيرة التي يعرفها أبناء اليوم، لكن كان فيها شيء أثمن: الصحبة، والمحبة، والحرية، ودفء المجتمع، والإيمان، والأمان.
لهذا حين أتحدث عن كسلا، فإنني لا أتحدث عن مدينة فحسب؛ بل أتحدث عن مرحلة من العمر، وعن أماكن ما زالت تسكن الذاكرة، وعن أصدقاء ووجوه وأيام مضت ولم تعد.
لقد غادرت كسلا منذ زمن، لكنني كلما تذكرت القاش، وجبل التاكا وتوتيل، والبساتين، وشوارع المدينة، ومساجدها، وداخلية معهد سيدي الحسن، شعرت أن جزءًا من طفولتي ما زال هناك.
وربما لهذا لا تعود المدن إلينا في الذاكرة بصورتها فقط؛ بل تعود برائحتها وطعمها وأصواتها ومشاعرها: برائحة القهوة الشرقاوية، وبالفول والطعمية، وبضجيج المقاهي العامرة، وبخضار الصباح القادم من المزارع، وبصوت القاش، وبأصوات المؤذنين، وبهدوء الأمسيات في حضن توتيل، وبطيبة أهلها.
تلك هي كسلا التي عرفناها؛ مدينة اجتمع فيها جمال الطبيعة، وطيبة الإنسان، وتنوع المجتمع، وحضور الإيمان، ونعمة الأمن، فصنعت لنا طفولة لا تزال حية في الذاكرة، كلما أغمضنا أعيننا عادت إلينا تفاصيلها كأنها الأمس.
يؤلمنى جدا عندما اسمع احيانا في الاخبار صراعات مفتعلة بين سكانها، واذكر كنا في المعهد طلاب بني عامر وحباب ، وهدندوة ، ونوبة، وفلانه، وشكرية، وشايقية ، وحتى اخوة إرتريين ، وكنا في قمة المحبة والانسجام ، ولم نسمع قط ان هناك صراعات ولا كراهية ! ايعقل كسلا يدب فوق ترابها عنصري او حاقد او إقصائي ؟
كسلا مدينة المحبة والتلاقي والبهجة، والتعاون والتكاتف
سلام على كسلا التي غادرتها منذ زمن، لكنها لم تغادرني أبدًا.
محمد جمعة أبو الرشيد


ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق