الجمعة، 16 أكتوبر 2026

الإرتريون بين جدلية السيادة الوطنية والكرامة الإنسانية!

تعيش إرتريا اليوم واحدة من أخطر المنعطفات في تاريخها المعاصر؛ إذ تتكالب عليها الأزمات وتتجاذبها خيارات قاسية وموجعة. فبعد عقود طويلة من النضال المرير من أجل نيل الاستقلال، خرج الشعب الإرتري من نير الاستعمار ليدخل في أتون استبداد داخلي أفرغ الوطن من شبابه، وتسبب في نزيف بشري غير مسبوق عبر الشتات واللجوء، ليجد المواطن نفسه إما مغيباً في السجون والمعتقلات، أو مقيد الحركة بتصاريح قاهرة، أو هارباً بروحه بحثاً عن أبسط مقومات الحياة الكرامة خارج الوطن. واليوم، ومع تصاعد التهديدات الإثيوبية الرسمية التي تستهدف سيادة إرتريا وحقها التاريخي والجغرافي في البحر، وجدت الجبهة الداخلية الإرترية نفسها منقسمة أمام معضلة صعبة فريق يرى أن الدفاع عن السيادة واجب مطلق ولو كان تحت قيادة الاستبداد القائم، وفريق آخر يغلب مرارة الواقع ليدعو إلى إسقاط النظام حتى ولو جاء ذلك على صفيح التهديدات الخارجية أو بتدخل من العدو التاريخي. السيادة والكرامة صنوان لا يفترقان إن الفهم الرشيد والوعي الوطني الحق يرفضان الوقوع في هذا الشرك المفروض. فالتنازل عن سيادة الوطن ومقدراته ومنافذه البحرية لصالح أي أطماع خارجية هو خيانة صريحة لدمار الشهداء وتاريخ النضال. وفي المقابل، فإن تجاهل كرامة الإنسان الإرتري، وسلب حريته، وإبقاءه غريباً وخائفاً في وطنه هو أيضاً خيانة جوهرية لروح الاستقلال الذي ما قام إلا لتحرير الإنسان أولاً وأخيراً. الوطن ليس مجرد بقعة جغرافية، بل هو الإنسان الذي يعيش على أرضه ويهنأ بكرامته فيها. رسالتى إلى الدولتين الجارتين : 1. إلى الحكومة الإثيوبية: إن لغة التهديد باحتلال وطن مجاور، مستقل، وعضو كامل العضوية في الأمم المتحدة، والمساس بحدوده وسيادته البحرية، هي سياسات رعناء لا تجلب للسلام الإقليمي إلا الدمار، ولا تؤسس إلا لعداوات جديدة لا تنتهي. إن استقرار القرن الإفريقي يبدأ باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وإن أي محاولة للقفز على سيادة إرتريا ستواجه برفض وطني جامع، بصرف النظر عن الخلافات الداخلية القائمة مع نظام الحكم. فكفوا عن لغة الغطرسة والتهديد، واحترموا حسن الجوار والقانون الدولي. 2. إلى النظام الحاكم في إرتريا: إن حماية السيادة الوطنية لا تتحقق بالشعارات الرنانة، ولا يمكن لأي جبهة داخلية أن تقاوم الأخطار الخارجية وهي مهشمة وممزقة ومحرومة من العدالة. إذا أراد النظام حماية سيادة الوطن بالفعل فعليه أن يدرك أن أقوى درع لأي وطن هو شعبه الحر الأبي. ولتحقيق ذلك، لابد من خطوات تاريخية وجادة وفورية تتمثل في: اولا/ إصدار عفو عام يطوي صفحة الماضي ويعيد للوطن أبناءه المهجرين والهاربين. ثانيا/ إطلاق الحريات العامة ورفع القيود المهلكة عن حركة المواطنين وسبل عيشهم. ثالثا/ الشروع في حوار وطني شامل والتفاوض الجاد مع كافة التنظيمات والقوى المعارضة لبناء عقد اجتماعي جديد. رابعا/ إفراغ سجون الوطن من المغيبين ومعتقلي الرأي، ليعود السجن حصناً للقانون لا أداة للقهر. خاتمة لا سيادة حقيقية بدون كرامة إنسانية، ولا كرامة لإنسان مستباح في وطنه. إن إرتريا تستحق قيادة وشعباً أن تنهض متجاوزة ثنائية "الاستبداد أو التبعية"، نحو وطن يسع الجميع، يحمي حدوده بقوة أبنائه الأحرار، ويصون كرامتهم بعدل القانون والمؤسسات. وحين يلتئم جرح الداخل، ترخص الأرواح وتذوب الخلافات حمايةً للترب والسيادة، وحينها فقط يصبح الوطن حصناً منيعاً لا يطال. محمد جمعة ابو الرشيد

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لمدونة . 2013