الخميس، 16 أبريل 2026

في كل بيت ارتري جرح لا يندمل

 جرحٌ لا يندمل: 


حكايات البيوت الخاوية في إرتريا

في إريتريا، لا تُقاس الساعة بالدقائق، بل بـ الانتظار. خلف الأبواب الموصدة في  كل شبر من ثرى الوطن المروي بدماء الشهداء تُكفكف دموع حزينة وسخينة راسمة فصولا من الاحزان الممتدة! حيث تحول الغياب القسري إلى "موتٍ بطيئ " ينهش في جسد المجتمع الإريتري منذ عقود.


الكراسي الفارغة والوجوه الغائبة:


أكثر من عشرة آلاف مغيب؛ هذا ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو عشرة آلاف ثقب في قلب الوطن. لكل رقم منها حكاية: أبٌ خرج ولم يعد!

وزوجٌ انتُزع من بين أطفاله في عتمة الليل سرا .

، وابنٌ كان سنداً لوالديه فأصبح مجرد ذكرى وصورة مخبأة تحت الوسادة.

في هذه البيوت، يجلس الحزن كفرد من العائلة. غياب الآباء لم يكن مجرد فقدان للعاطفة، بل كان زلزالاً زلزل أركان الأسرة الإرترية. فقدت النساء "الحماية"، وفقد الأطفال "القدوة"، وتحولت الأمهات إلى قلاع صمود وحيدة تواجه رياح القدر العاتية.

ثالوث الرعب، الجوع، والتشرد

لم تكن المعاناة عاطفية فحسب، بل كانت كارثة إنسانية متكاملة الأركان. هذه الأسر التي فُقد عائلها وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع:

• الرعب المقيم: الخوف من السؤال، الخوف من الحديث، والخوف من أن يلقى البقية مصير الغائبين.

• نهش الجوع: بغياب السند الاقتصادي، أصبحت لقمة العيش معركة يومية تخوضها الأرامل واليتامى في ظل ظروف اقتصادية طاحنة.

• التشرد والشتات: أُجبرت آلاف العائلات على التمزق؛ فمنهم من سلك دروب اللجوء الوعرة، ومنهم من تاه في المنافي، بحثاً عن أمانٍ سُلب منهم في وطنهم.

صرخة الصمت الصادم

ما يجعل الجرح الإرتري غائراً، هو أن هذا التغييب يتم في صمتٍ مطبق. لا قبور يزورها الأبناء ليبكوا عليها، ولا سجون معلومة تطفئ نار القلق بزيارة أو رسالة. إنه "اللا-وجود" الذي يحرق الأعصاب ويجعل الزمن يتوقف عند لحظة الاعتقال أو الاختفاء.


"نحن لا نعيش، نحن فقط ننتظر أن يفتح الباب يوماً ما، أو أن تأتي الريح بخبر ينهي هذا العذاب."

— لسان حال آلاف الأمهات الإرتريات.


ختاماً: أملٌ رغم الانكسار: 


إن الكارثة الإنسانية التي تعيشها الأسر الإرترية هي وصمة عار في جبين الضمير الإنساني في القرن الحادي والعشرين. ورغم كل هذا السواد، تظل المرأة الإرترية رمزاً أسطورياً للصبر، تحيك من خيوط الأمل ثياباً لأطفالها، وتنتظر فجراً يلم شمل المشتتين، ويعيد المغيبين إلى بيوتٍ لم تمل يوماً من الدعاء لهم.


إن غياب الآباء قد كسر الظهر، لكنه لم يكسر الإرادة في البقاء والانتظار حتى تعود الحقوق لأصحابها، ويتم معاقبة المجرمين . 

محمد جمعة ابو الرشيد .


ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لمدونة . 2013