الاثنين، 13 أبريل 2026

اجتماع الظلم القاسي والصبر الأسطوري في ارتريا

 إجتماع الظلم القاسي والصبر الأسطوري .


(( مأساة المغيبين قسرياً في إريتريا)) 


بينما كانت أجراس الحرية تقرع في أرجاء إريتريا عام 1991م، ومع زغاريد الأمهات التي احتفت بنهاية عقود من النضال المسلح لنيل الاستقلال، كان هناك فصل مظلم يُكتب في خفاء الزنازين. في الوقت الذي انتظر فيه الشعب فجر العدالة، بدأت حملات اعتقال ممنهجة طالت النخبة من المشايخ، العلماء، والمناضلين القدامى الذين أفنوا زهرة شبابهم في الميدان، ليتحول حلم الاستقلال بالنسبة لآلاف الأسر إلى كابوس ممتد لا نهاية له.

غياب بلا أثر.. سجون بلا عناوين

تتجاوز المأساة الإريترية مجرد "الاعتقال السياسي" المعتاد؛ نحن نتحدث عن إخفاء قسري طال أكثر من عشرة آلاف إنسان، تم انتزاعهم من بيوتهم وأعمالهم دون تهمة، ودون محاكمة، ودون أدنى أثر. منذ عام 1991 وحتى يومنا هذا، تمر أربعة وثلاثون عاماً وبعض العائلات لا تعرف إن كان عائلها حياً يُرزق أم صار تراباً، في سابقة إنسانية لم تشهدها المنطقة من قبل بهذا الحجم والاستمرارية.

الأسر الإريترية: حياة معلقة في "برزخ" الانتظار

خلف كل اسم من هؤلاء المغيبين قصة وطن ممزق. لقد تركت هذه الكارثة جروحاً غائرة في النسيج الاجتماعي:

• أجيال الحكايات: كبر آلاف الأطفال وهم لا يعرفون عن آبائهم إلا ملامح باهتة في صور قديمة، أو حكايات ترويها الأمهات المكلومات قبل النوم. جيل كامل وُلد وعاش وتزوج وهو ينتظر طيف أب لم يره قط.

• زوجات في مهب الريح: تعيش الزوجات حالة إنسانية وقانونية معقدة؛ فهن لسن أرامل بالمعنى الشرعي لعدم ثبوت الوفاة، ولسن زوجات يتمتعن بوجود شريك الحياة.

• تعطيل الحقوق والحياة: تسببت هذه الغيبة الطويلة في تجميد المواريث، وتعطيل المعاملات المدنية، وضياع حقوق الأبناء والأحفاد، مما جعل المجتمع يعيش في حالة شلل قانوني واجتماعي متعمد.

صمت العالم وصرخة المظلوم

إن ما يحدث في إريتريا ليس مجرد انتهاك لحقوق الإنسان، بل هو محاولة لمحو الذاكرة الوطنية عبر تغييب قادتها الروحيين والفكريين. إن حرمان المعتقل من رؤية أهله، وحرمان ذويه من معرفة مكان احتجازه لمدة تزيد عن ثلاثة عقود، هو جريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان.

خاتمة: متى يشرق الفجر؟

إن قضية المغيبين في إريتريا هي اختبار للضمير العالمي وللمنظمات الحقوقية الدولية. لا يمكن للعالم أن يستمر في غض الطرف عن آلاف الأرواح التي تذبل في صمت الزنازين السرية. إن من حق هؤلاء الأبناء أن يعرفوا قبور آبائهم إن رحلوا، ومن حق الشيوخ الذين شابوا خلف القضبان أن يلمسوا ضياء الشمس ويحتضنوا أحفادهم قبل فوات الأوان.

ستظل هذه القضية جرحاً ينزف في قلب كل إريتري، وستبقى صرخة "أين هم؟" هي السؤال الذي لن يسقط بالتقادم حتى تتحقق العدالة وينكشف غبار الغياب، ويتم معاقبة المجرمين ، وتحقيق شيء من العدالة التى لن ترجع أبدا تلك النفوس البريئة الطاهرة التى ماتت تحت النسيان وفي ظل صمت عالمي وقلة حيلة لابناء الوطن .

محمد جمعة ابو الرشيد


ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لمدونة . 2013