الأحد، 22 فبراير 2026

مالذي حدث للشعب الإرتري بعد الاستقلال ؟ !!

 ماهو التغيير العميق الذي اصاب افكار الشعب الإرتري بعد الاستقلال  ؟ 


                                    ( 1)

الشعب الإرتري البطل والذي قاد اطول وأعنف ثورة في إفريقيا وأذهل العالم يوم انتزع حقوقه وحرر ارضه بقوة السلاح ، ما هو حاله بعد  التحرير؟  تبدل الحال واصبح يفر من امام حاكم جائر ! 

فـما الذي فعله بهم هذا الحاكم ؟ وكيف سكب عليهم الثلج البارد ونزع حرارة الثورة الملتهبة من عواطفهم الجيّاشة ؟ 

هل هدم الدين فنزع روح العقيدة من قلوبهم ؟ هل  اغلق ابواب الحريات فسمم السياسة ؟ هل حارب العلم فتشوه وجه الثقافة وغاب الوعي المتبصر ؟ هل تغلبت الوسائل القاسية للحاكم على أشواق الشعب في العزة والحياة الكريمة ؟ هل مشاريع القومية والمنطقة  التى زرعت بشكل بطيئ أخمدت تطلعات الشعب،  وسكبت الماء في براكينه المتفجرة ؟ 

احسب ان كل تلك العوامل وغيرها اصبحت سببا مباشرا لما نحن فيه .


يظن الكثير من  الساسة الإرتريين  ان اي تغيير  سليم  في المستقبل يحتاج إلى قواعد ثابتة ، ونظاما محددا ، والانتقال من مربع العاطفة إلى حذر العقل ، ومن الوقوف على عتبة الباب إلى السعي لاستشراف المستقبل ، ومن ضحالة الفكر إلى مستوى متقدم من الوعي والثقافة الواسعة .. واحسب ان هذه نظرة المثقف المشبع بالمثاليات وليس من خصائص الشعوب بل هذا من فعل قادة الرأي والفكر … لان الجماهير ليس لها حسابات الفرد وتردداته وذلك بسبب ان الانتماء لمجموعة يعطي مجموع الأشخاص عنفوان وتمرد، وشجاعة تؤدى إلى ركوب المخاطر، ولهذا السبب يتم هزيمة اي مجموعة لا تؤطّر نفسها كجماعة ، والعكس ايضا يصبح  عصيا إنهاء أقلية نظمت نفسها من قبل غالبية انفرط عقدها او لم ترتقي لمستوى يمكنها من اتخاذ وعاء تنتظم فيه .

الجماهير تستجيب للتحريض اكثر مما تستجيب للإقناع العقلي ولا اعرف قائداً في العالم اقنع شعبه بمنطق العقل والحسابات الدقيقة ولكن يحدثنا تاريخ شعبنا وتاريخ الشعوب ان جل الذين التفت الشعوب حولهم  في الغالب كانو اشخاص  امتطعو صهوة المقاومة، وركبوا  العناد وخاضو المغامرات  وشحذو الجماهير بخطب نارية الهبت مشاعرهم ودفعتهم إلى المخاطرة والتضحيات ،  وهذا النوع من القادة هم الذين تحبهم الجماهير واحسب هم المفقودون اليوم في ساحتنا الإرترية ، واغلب من يقودنا من الساسة هم اشبه بالمثقفين اصحاب الحسابات الكثيرة وكأن الوطن بيضة في أيديهم إذا انفلتت منهم يمكن ان تتحطم واحسب انه فات عليهم ان الشعوب تحب  القائد الثائر والمتمرد، والشجاع الذي لا يهاب والعنيد الذي لا يعرف الاستسلام، ويمتلك قدرة هائلة  في ملامسة العواطف  وتقديم الوعود حتى لو كانت احيانا اقرب إلى الخيال !

وعلى القائد الناجح ان يجمع بين مخاطبة العقل وتحريك العاطفة لان الحسابات العقلية من خصائص (الفرد ) وهي لا تحدث تغييرا…  وتحريك (العاطفة) من مكنونات الجماعة وقد تكون خطرة وتودي بالسلم الاجتماعي في أتون الحروب فعليه أن يضبط نزوات العواطف بنظرات العقول ويلهب نظرات العقول بلهب العواطف . 

نواصل … 

مالذي تغير في الشعب الإرتري بعد الاستقلال ؟

                    (2)

في الحلقة الاولى طرحت مجموعة من الاسئلة وحاولت الاجابة عن سؤال غير مباشر عن دور الفرد والمجتمع في التغيير ، ولماذا تغييب الحكمة والحسابات العقلية والحذر عند الجمهور وتطغى فيه العاطفة المفرطة احيانا ؟ 

ونعود إلى ما فعله النظام بالشعب الارتري …قد استغل النظام عاطفة الشعب الإرتري المتفجر وطنية، والحريص على تراب الوطن ( وهذا شيء طبيعي لشعب يكاد لا توجد فيه اسرة لم تقدم فلذات أكبادها فداء للوطن) وظل النظام يضغضغ تلك المشاعر ويخلق مهددات للوطن وعلى الشعب ان يعطي مزيد من الدماء وان يتخلى عن حقوقه وحتى عن كرامته فلا بأس ان يوجد في البيت الواحد اخ شهيد وآخر في جبهات القتال وثالثهم مغيب في زنازين النظام من غير سبب معلوم، ورابع مشرد في المنافي وربما احدهم في مخابرات النظام يكتب التقارير حتى  على اخوانه وأسرته! وهو الوطن الوحيد الذي راينا فيه تغييب الوزير وزوجته، والوزير في الوزارة وابوه مغيب لا يعلم مكانه ! ووزير يفلت بنفسه وبنته تؤخذ رهينة ثمنا لصمته، وبالرغم من ذلك يعتبر الاعتراض خيانة والنصيحة تمرد !

واصبح مفهوم الوطن التضحية من اجل  (ترابه فقط) حتى لو هلك جميع المواطنين واصبح الحاكم هو  (وحده )حامي هذا التراب وكل من يعترض عليه ويعارضه فلاشك انه خائن وساقط الوطنية وعميل ومتآمر ! 

وبين تقديس  التراب وتأليه القائد ضاعت وغابت  كل مفاهيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، وديست الكرامة واصبح المقاوم مستحق للعذاب والنكال والتشويه والتمزيق والإبعاد! وللأسف في الغالب  من يقوم بهذا الدور المهلك هما صنفان :

١- مجموعة كبيرة من بقايا المستعمر زعم النظام انه يستفيد من خبرتهم الإدارية فثبتهم في مواقعهم  .

٢- قيادات ومقاتلين أفنو حياتهم في الخنادق دفاعا عن الوطن وتنقصهم الخبرة في التعامل مع الجماهير وبعضهم خبرته قليلة حيث كانت عبارة عن تنظيم الشعب في الأرياف المحررة .

وتم إبعاد كل الخبرات من التنظيمات الأخرى والأكاديميين الذين عملوا في الخارج لسنوات طويلة وكان بأمكانهم بذل عصارة تجاربهم في تنمية الوطن .

ومن عوامل توهين الشعب  التى اتخذها النظام ( هدم الدين في قلوب الشعب) وتغييب رجال الديانتين، ونزع الهيبة منهم، وحرمانهم فى الغالب حتى من ممارسة الأعمال الإدارية لمؤسساتهم بل منحها لضباط وكوادر النظام او الموالين له، وتشويههم في الخارج والتقليل من مكانتهم، وترك قلوب الناشئة بلا وقاية بل يتم تعبئتها بعوامل اخرى مثل الأغاني التى يقل فيها مدح الفضائل وتزكية الاخلاق ومقاومة الظلم، ومحاربة العادات الضارة، وتشجيع علاقات الصداقة بين الشباب من الجنسين، وتبنى أيدولوجيات لا تحترم الدين والمتدين، واعتبار الدين عامل تخلف وفرقة، والسعي لجعل القوميات وعاداتها وتقاليدها مكتسبا وثراثا يمكن الاعتماد عليه والتعصب له، وسوف يكون معيار محبة النظام ورضاه عند هولاء بث اغنية وتلوين شاشة التفاز اليتيمة بفلكلور عبارة عن زي لم تعد الاجيال ترتديه، والحديث عن لغة الام والاستماتة من اجل الحفاظ عليها حتى لو تم سحل اللغة العربية وصفعها وابعادها والتبرئ منها، والحاق تهمة السذاجة بالآباء العظام الذين اختاروا ثنائية اللغتين ! ولم لا مادام اللغة العربية لا بواكي لها حيث انصرفها عنها اهلها يبحثون أمجادا في زي وأغنية ولغة خاصة لو بذلت الملايين خلال العقدين من الزمن لا يمكن ان تصبح لغة علم ودواوين ! والغريب ان يتم الفخر بالتقرنية والاشمئزاز من العربية في حالة اشبه برجل يقطع عروق الأشجار في مزرعته لكي يحصد من الفروع الثمار ! 


نواصل … 

الحلقة الثالثة :

من عوامل هدم معنويات الشعب الإرتري وقتل روح المقاومة والتحدي فيه تشويه رموز الثورة والسخرية من مؤسسيها


وإسقاطهم والغمز عليهم سرا وجهرا، واعتبار تنظيم الجبهة الشعبية المخلص وصانع النصر الوحيد بل وصفه بأنه منقذ الثورة من ( عامة العميانة) كما كانو يصفون جبهة التحرير ! فلا عواتي عندهم  رمز الكفاح ولا كل القادة الذين صنعوا معه ثورة فريدة استوعبت في سنوات قليلة كل ابناء الشعب الإرتري بمختلف أعراقهم وأديانهم يستحقون التكريم والتمجيد!! 

 بل يمجد تنظيم انتهي به المطاف الاعتماد في طائفة واحدة  جعل من لغتها وأبنائها رموز النضال وقادة الدولة ! 

وهو نفس التنظيم الذي منحته جبهة التحرير  الفرصة  على طبق من ذهب باستمراء قادتها الخلافات الفكرية وكلما حاول العقلاء وطالب بوضع تصور واضح لحشد طاقات الشعب تجاه إنجاح الكفاح المسلح واجهتهم تيارات كانت عبارة عن بذرة فاسدة وسرطان قاتل وابن لقيط زرع سرا في  رحم الجبهة، وعلى راس هولاء ( حزب العمل الإرتري) والذي يمكن وصفه بأنه كان  تنظيم إقصائي وفاشل واغلب كوادره لم تكن مستعدة لخوض غمار الحرب ولكن لتسييس التنظيم ومحاربة كل صاحب راي مخلص يخالفهم الفكر وينتقدهم في تصرفاهم  المخجلة، بل سجنوا وابعدوا وخطفوا ابطال من قادة جيش التحرير وقياداته الفذة، ويوم اجتاحتهم الجبهة الشعبية دخل غالبيتهم السودان وترك الشباب يتخبط في الميدان بلا توجيه، وحتى لا يتربص البعض بكلامي ويقول لي : فلان وعلان لست جاهلا بدور قيادات مخلصة كانت في صفوف حزب العمل وبذلت جهود كبيرة ولكن أنا اتحدث عن حزب سري كان حبل السرة لنشوء تنظيم الجبهة الشعبية وكانت بعض كوادره في النهار حزب العمل وفي الليل ( حزب الشعب الماركسي ) الذي خدع القيادات السياسية من ابناء المسلمين بشعارات كاذبة واحسب ان حقيقته هو ( سلفني ناظنت ) واصحاب مشروع ( نحن وأهدافنا ) .

فاليتحمل بعض بقايا ذلك الحزب الحقيقة المرة، والشعب الإرتري قد يئس من ان يخرج احد قادة ذلك التنظيم ويعتذر للشعب الإرتري عن ضياع جيش التحرير الإرتري وحفر جرح عميق في ذاكرتنا، ومنح فرصة كاملة لمشروع افورقي الجهنمي .

هذا الانهزام العسكري الفاضح أدى إلى هزيمة نفسية وتوهان في وسط الشعب الإرتري، وتلمس الشعب النجاة في كل سبيل فلم يجد ذلك لا في الإسلاميين ولا العلمانين، ومازال الشعب الإرتري يترقب تنظيم شجاع ومغامر يجعل على راسه شخصية عنيدة ومغامرة وشجاعة ويسندونه حتى يقف في وجه الاشرار الذين يسعون لتمزيق الشعب الإرتري وتشتيته  وتقطيعه اكثر واكثر، ويصنع تغيير ايجابي ينقذ بها هذا الشعب الذي لم يذق يوما واحد في حياته حياة كريمة ولم ينم ليلة هادئة .

واسمع إلى شهادة المناضل/ سمري سلمون الذي قال : ( لم أكن عضواً في الحزب السري الذي كان يعرف بحزب الشعب الثوري ولاحقاً عرف بالحزب الاجتماعي، ولكني كنت على علم بوجوده في الجبهة الشعبية عندما وقعت في يدي بعض الوثائق التي تخص الحزب عن طريق الخطأ، وقد استدعاني السيد تخلاي هبتي سلاسي الذي كان قائداً للواء (31) وقد هددني بالقتل في حال أي حديث مباشر أو غير مباشر عن الوثاق أو مجرد التلميح عن وجود الحزب، وقد تم إبلاغ عضوية الحزب بمعرفتي بوجود الحزب. ولك أن تتخيل كيف يكون وضعك وأنت في تنظيم تعلم أن هنالك تنظيم أخر سري بداخله يتحكم فيه، وكيف يكون احساسك وانت غريب في تنظيم يفترض أنك تنتمي اليه.)

محمد جمعة ابو الرشيد 

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لمدونة . 2013